كتاب

الفلسطينيون.. الجذور وحلم العودة الكبير

‏بعد أكثر من ٤٧١ يومًا من الحرب الإسرائيليَّة الظَّالمة، وتدمير أكثر من 80% من قطاع غزَّة، وقتل أكثر من ٤٧ ألف فلسطينيٍّ، وتشريد مئات الآلاف من منازلهم، من شمال غزَّة وجنوبها إلى رفح.. ناهيك عن الجرحى الذين وصلوا إلى أكثر من مئة ألف.. وسياسة التَّجويع والحصار، وسلب الحق الفلسطيني في أيِّ مظهر من مظاهر الحياة الكريمة.. أُعلِن عن الوصول لاتِّفاق لوقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل.

‏هذه الزيارات المكوكيَّة لكلٍّ من قطر ومصر، لم تكن جديدةً لإبرام الصَّفقة، بل تكرَّرت عشرات المرَّات، لكسب إسرائيل للوقت؛ لتحقيق أهدافها الاستعماريَّة الظَّالمة، والحصول على الدَّعم والمساعدات من أمريكا، وبالمليارات من الدولارات شهريًّا، دون أيِّ اعتبار لحقوق الشَّعب الفلسطينيِّ الأعزل.. ولكنَّها إرادةُ الله، فقالَ تعَالى: (وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)؛ ويُظهر المشهدُ فشلَ إسرائيل المدوِّي في تحقيق أهدافها، فلا هي قضت على حماس -بالرغم من قتلها لكبار عناصرها- ولكن جُنِّد الآلاف من الفلسطينيِّين، والتحقوا بحماس، وأشرفت الحركة على تسليم الرَّهائن بتنظيمات عسكريَّة كبيرة.


كما لم تستطع إسرائيل تهجير الفلسطينيِّين، واقتلاعهم من جذورهم، وإبعادهم عن أرضهم.. حيث انطلقت زغاريدُ النِّساء، وتهليلُ الرِّجال، وفرحُ الأطفال بإعلان وقف إطلاق النار، والسَّماح لهم بالعودة إلى منازلهم.. فرأينا سيلًا من البشر تدفَّق إلى شمال قطاع غزَّة، في مشهدٍ صدم إسرائيل والعالم، فأكثر من 500 ألفِ فلسطينيٍّ في عدَّة أيَّام وصلوا بالرغم من الدَّمار، وعدم وجود أيٍّ من مقوِّمات الحياة؛ منهم بمركبات متهالكة، وآخرُون على الدَّواب، وأكثرهم مشيًا على الأقدام والعكاكيز.

نعم، هذه هي الإرادة التي لا تنكسر، إنَّها فرحة العودة للوطن، التي أفشلت المخطَّط الذي أعلن عنه الرَّئيس الأمريكي دونالد ترمب حول تهجير الفلسطينيِّين لأيِّ دولة، وخاصَّةً لمصرَ والأردن.. نعم فقدْ خفَّف اللَّهجة التوسعيَّة والتَّهجير لسيناء قسريًّا حينما قال: إنَّ المساحة المخصَّصة لإسرائيل صغيرة جدًّا، ولابُدَّ أنْ تتوسَّع.. أيُّ منطقٍ هذا الذي يتحدَّث عنه ترمب؟، فقد رأينا علامات الفرحة والنَّصر في وجوه الفلسطينيِّين الصَّامدين بوجه الطُّغيان.. رأينا الوجوه النَّاضرة المستبشرة بالجِنَان رغم الجوع والقهر والتَّشريد، رأينا أطفالًا يرفعُون علامات النَّصر، وسيدات نثرنَ ‏أمل العودة، فالعقل الجمعيُّ الفلسطينيُّ يرفضُ أيَّ تهجير أو إبعاد.


‏ومقابل هذا كله، رأينا الخذلان في وجوهِ «نتنياهو، وبن غفير، وسموتريتش والطُّغمة الظَّالمة»، الذين لا زال الحق المُدَّعَى يكتسح فكرَهم الأعمى؛ فإسرائيل وأثناء الحرب وبعدها؛ تشهد هجرةً خارجيَّةً لم يسبق لها مثيلًا -حسب صحيفة اللوموند-، التي أكَّدت على أنَّ آلاف الإسرائيليِّين غادرُوا البلاد للعودة إلى بلادهم؛ لأنَّ الحرب والوضع الاقتصاديِّ المتردِّي، وانعدام الأمن، وسياسة نتنياهو المتعجرفة.. عوامل تستدعي العودة إلى موطنهم الأصلي.

‏وهنا أتذكَّر قصَّة العجوز اليهوديَّة (روت)، التي احتفلت قبل عام بعيد ميلادها الـ(١٠٦) أثناء الحرب، حيث قالت: حينما كنتُ بعمر ست سنوات، قمتُ بتقديم باقة ورد (لونستون تشرشل) في حفل وعد بلفور عام ١٩١٧م، وكان تشرشل داعمًا للفكرة على الأرض، ‏عسكريًّا وسياسيًّا ولوجستيًّا، ثم حين زار فلسطين كمستعمرة عام ١٩٢١م، وقامت بلدية (تل أبيب) بتزيين المنطقة، اضطر منظِّمو الحفل إلى قطع أشجار من الصنوبر بالقرب من حدود لبنان، ووضعها في مكان الحفل لتجميل المنطقة للزَّائر الكبير الذي طالت كلمته، ممَّا اضطر الطفلة -التي أصبحت يافعةً- الاستناد إلى إحدى الشجرات، فما كان منها إلَّا أنْ مالت وبان جذعها، وأدَّى ذلك إلى ميل وسقوط عدد آخر من الأشجار، وهنا ظهرت الخديعة.. فما كان من تشرشل إلَّا أنْ انفجر ضاحكًا وقال هامسًا لرئيس بلديَّة إسرائيل: أخشى أنْ تسقط دولتكم يومًا ما؛ حتى لو ساعدناكم وساعدكم العالم.. فلا شيء ينبت هنا بدون جذور!!.

نعم، هذا ما يجب أن تدركه إسرائيل، وداعموها بالباطل، وبدلا من أن يقترح ترمب الهجرة للفلسطينيين، عليه أن يدفع ‫ثمن‬ فاتورة الدمار الذي أحدثته القنابل الأمريكية!! بل تحمل مسؤولية إعادة إعمار غزة، وتخصيص المستوطنات التي بنيت مؤخرا للسكان الفلسطينيين، ‏بينما يتم إعادة الإعمار.

‏وأمَّا مجرمو الحرب، الذين حكمت عليهم المحكمة الجنائية الدولية بالملاحقة القانونية.. فهذه لا تسقط بالتقادم، وسيأتي اليوم الذي يودعون فيه بسجون العدالة الإنسانية.

‏وأمَّا الفلسطينيُّون، فهم فعلًا شعب الجبَّارين، وأرضهم لن يتخلُّوا عنها، وإذا كان هناك رجلٌ رشيدٌ في إسرائيل، فليُدرك أنَّ حلَّ الدَّولتين الذي اقترحته السعوديَّة -والذي كان ولا يزال شرطًا أساسًا في إقامة علاقات مع إسرائيل- هو الحلُّ العادل للسَّلام والأمن في المنطقة كلها.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة