كتاب
الصورتان والجبل
تاريخ النشر: 06 أغسطس 2025 23:15 KSA
لطالما شدَّتني الصور القديمة، تلك التي تُوثِّق لحظةً انقضت من زمنٍ بعيدٍ، ولأناس لم نلتقِ بهم قط. وذات يوم وجدتُ نفسي أمام صورتين لجبلٍ واحدٍ، يفصل بينهما قرابة مئة عام.
الصورة الأولى التُقطت في بدايات القرن العشرين: رجال بلحى كثَّة، وعيون حادَّة، نساء بثياب تقليديَّة، أطفال صغار نصف عُراة يقفون بجانب آبائهم، وخلفهم جبل شامخ، صامت، كأنَّه لا ينتمي للحظة، بل لكل اللحظات.
أمَّا الصورة الثانية، فهي حديثة، دقيقة الوضوح، لامعة الألوان... لكنَّها خالية من الوجوه. لا بشر فيها، لا ضحكات، لا خطوات على التراب. وحده الجبل ظلَّ حاضرًا، بذات الانحناءات الصخريَّة، كأنَّه لم يزدد عمرًا، ولم يتأثر بريحٍ، أو زمنٍ.
حين وضعتُ الصورتين جنبًا إلى جنب، استوقفني المشهدُ في لحظة تأمُّل عميق. ليس فقط لأنَّ الوجوه في الصورة الأولى قد ذهبتْ، بل لأنَّ الزمن نفسه مضى. ما أقصر أعمارنا! أولئك الذين وقفوا هناك، عاشوا تفاصيل أيامهم بحلوها ومرِّها، تمنُّوا، أحبُّوا، تخاصمُوا، حلمُوا... ثمَّ رحلُوا كما سنرحل نحن.
وبقي الجبل..
هاتان الصورتان تضعانني أمام حقيقة مجرَّدة: لسنا سوى لحظة في سجل الزَّمن، عابري سبيل في مسار الحياة الطويلة. الجبل لا يعنينا، لم ينتظر أحدًا، لم يفرح بقدومهم، ولم يحزن على رحيلهم. الجبل يعيش وتيرته الخاصَّة، لا يخضع لخوف، أو حنين، أو فناء.
والفرق بين الصورتين ليس في عدد الأشخاص، بل في الدلالة العميقة بين 'الزَّمن الحيِّ'، و'الزَّمن الخالِي'.
في الأولى كان المكان يتنفس بأجساد مَن كانوا فيه، وفي الثانية صمتٌ يروي حكاية الغياب. كأنَّ الجبل يتمتم: 'رأيتُهم يأتُون ويذهبُون... وأنا هنا، لم أبرحْ مكاني'.
لكنَّني تذكَّرتُ عندها، الحقيقة الكُبْرى التي ذكرها اللهُ في كتابه الكريم: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه: 105–107].
حتى هذه الجبال الرَّاسخة، التي تبدو أبديَّة في أعيننا، سيأتي يومٌ تُنسف فيه وتزول، وتبقى الأرض قاعًا صفصفًا، بلا عِوج ولا أَمَتٍ. فكيف بنا نحن؟ نحن الأضعف والأقصر عمرًا؟
تعلِّمني الصورتان أنَّ الجماد، الذي كنا نحسبه ساكنًا بلا حياة، هو الأكثر بقاءً بيننا، ومع ذلك فبقاؤه مؤقت أمام قدرة الله. أمَّا نحنُ -المليئين- بالمشاعر والأحلام، فنمرُّ كالنَّسيم.
لكنَّ الفرق أنَّ الجبل لا يحمل ذكرى، أمَّا نحنُ فقلوبنا تترك آثارها في قلوب الآخرين. وربما هناك فقط، نكون أبقى من الصَّخر.
لا أريدُ أنْ أكونَ صخرةً لا تموتُ، بل أثرًا طيِّبًا يُذكَرُ وإنْ تلاشَى الجسدُ.
الصورتان ليستا مجرَّد توثيق لزمانَين مختلفَين، بل رسالة عميقة أنَّ أعمارنا -مهما طالت- أقصر من ظلال جبل في البريَّة.
أمام هذه الحقيقة، أجدُ نفسي أُردِّدُ: لا حاجةَ للغرور، ولا للغضب الطويل، ولا لتأجيل الخير.
لنعش بحبٍّ، ولنعبر بسلامٍ، فما نحنُ إلَّا صورة... والصورة تبهت، ويبقى الجبل... حتَّى يأذنَ اللهُ.
الصورة الأولى التُقطت في بدايات القرن العشرين: رجال بلحى كثَّة، وعيون حادَّة، نساء بثياب تقليديَّة، أطفال صغار نصف عُراة يقفون بجانب آبائهم، وخلفهم جبل شامخ، صامت، كأنَّه لا ينتمي للحظة، بل لكل اللحظات.
أمَّا الصورة الثانية، فهي حديثة، دقيقة الوضوح، لامعة الألوان... لكنَّها خالية من الوجوه. لا بشر فيها، لا ضحكات، لا خطوات على التراب. وحده الجبل ظلَّ حاضرًا، بذات الانحناءات الصخريَّة، كأنَّه لم يزدد عمرًا، ولم يتأثر بريحٍ، أو زمنٍ.
حين وضعتُ الصورتين جنبًا إلى جنب، استوقفني المشهدُ في لحظة تأمُّل عميق. ليس فقط لأنَّ الوجوه في الصورة الأولى قد ذهبتْ، بل لأنَّ الزمن نفسه مضى. ما أقصر أعمارنا! أولئك الذين وقفوا هناك، عاشوا تفاصيل أيامهم بحلوها ومرِّها، تمنُّوا، أحبُّوا، تخاصمُوا، حلمُوا... ثمَّ رحلُوا كما سنرحل نحن.
وبقي الجبل..
هاتان الصورتان تضعانني أمام حقيقة مجرَّدة: لسنا سوى لحظة في سجل الزَّمن، عابري سبيل في مسار الحياة الطويلة. الجبل لا يعنينا، لم ينتظر أحدًا، لم يفرح بقدومهم، ولم يحزن على رحيلهم. الجبل يعيش وتيرته الخاصَّة، لا يخضع لخوف، أو حنين، أو فناء.
والفرق بين الصورتين ليس في عدد الأشخاص، بل في الدلالة العميقة بين 'الزَّمن الحيِّ'، و'الزَّمن الخالِي'.
في الأولى كان المكان يتنفس بأجساد مَن كانوا فيه، وفي الثانية صمتٌ يروي حكاية الغياب. كأنَّ الجبل يتمتم: 'رأيتُهم يأتُون ويذهبُون... وأنا هنا، لم أبرحْ مكاني'.
لكنَّني تذكَّرتُ عندها، الحقيقة الكُبْرى التي ذكرها اللهُ في كتابه الكريم: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه: 105–107].
حتى هذه الجبال الرَّاسخة، التي تبدو أبديَّة في أعيننا، سيأتي يومٌ تُنسف فيه وتزول، وتبقى الأرض قاعًا صفصفًا، بلا عِوج ولا أَمَتٍ. فكيف بنا نحن؟ نحن الأضعف والأقصر عمرًا؟
تعلِّمني الصورتان أنَّ الجماد، الذي كنا نحسبه ساكنًا بلا حياة، هو الأكثر بقاءً بيننا، ومع ذلك فبقاؤه مؤقت أمام قدرة الله. أمَّا نحنُ -المليئين- بالمشاعر والأحلام، فنمرُّ كالنَّسيم.
لكنَّ الفرق أنَّ الجبل لا يحمل ذكرى، أمَّا نحنُ فقلوبنا تترك آثارها في قلوب الآخرين. وربما هناك فقط، نكون أبقى من الصَّخر.
لا أريدُ أنْ أكونَ صخرةً لا تموتُ، بل أثرًا طيِّبًا يُذكَرُ وإنْ تلاشَى الجسدُ.
الصورتان ليستا مجرَّد توثيق لزمانَين مختلفَين، بل رسالة عميقة أنَّ أعمارنا -مهما طالت- أقصر من ظلال جبل في البريَّة.
أمام هذه الحقيقة، أجدُ نفسي أُردِّدُ: لا حاجةَ للغرور، ولا للغضب الطويل، ولا لتأجيل الخير.
لنعش بحبٍّ، ولنعبر بسلامٍ، فما نحنُ إلَّا صورة... والصورة تبهت، ويبقى الجبل... حتَّى يأذنَ اللهُ.