كتاب

الهوية العمرانية

عندما نزور مدينة للمرَّة الأُولى، لا تدهشنا فقط مبانيها، أو شوارعها، بل هويتها العمرانيَّة التي تنطق بتاريخها، ثقافتها وذوق أهلها، فالهندسة ليست مجرَّد خرسانة، وزجاج، بل تعبير بصري عن الإنسان والمكان والزمان، وفي زمن العولمة المعماريَّة، تبرز الحاجة أكثر من أيِّ وقت مضى للحفاظ على الهوية العمرانيَّة المحليَّة، كوسيلة لحماية الذاكرة الجماعيَّة وتعزيز الانتماء. الهوية العمرانيَّة هي الطابع المعماري الذي يميِّز مدينة أو منطقة عن غيرها، ويشمل أسلوب البناء والمواد المستخدمة، والنمط التخطيطي، وحتى التفاعل بين المباني والبيئة المحيطة، هي انعكاس مباشر للثقافة، والدِّين، والمناخ، والاحتياجات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة للمجتمع.

في المدن السعودية القديمة مثل جدَّة -على سبيل المثال- يمكن رُؤية الطِّين، والخشب، وساحات البيوت الداخليَّة، كاستجابة للمناخ الحار، والعادات الاجتماعيَّة، في حين تتميَّز بعض المدن الأوروبيَّة بواجهاتها الحجريَّة الضيِّقة، تعبيرًا عن تاريخ طويل من التراكم المعماريِّ.


في العقود الأخيرة، ومع تسارع مشروعات التحديث، فُقدت الكثير من الهويَّات العمرانيَّة لصالح نسخ نماذج عالميَّة موحَّدة، جعلت المدن تبدو متشابهةً من دبي، إلى لوس أنجلوس، هذا الاغتراب البصري لا يؤثِّر فقط على شكل المدينة، بل يضعف صلتها بساكنيها، فمتى ما طغى «التصميم الاستيرادي» على خصوصية المكان، فإنَّنا لا نبني فقط أبراجًا غريبةً، بل نزرع انفصالًا بين الإنسان وبيئته.

ضمن مستهدَفات رُؤية السعودية 2030، ظهرت جهود واضحة لإعادة الاعتبار للهويَّة العمرانيَّة الوطنيَّة، فقد أُطلقت مبادرات مثل «الهويَّة العمرانيَّة السعوديَّة»، و»كود البناء العمراني المحلي»؛ لتعزيز الطابع المحلي في التصاميم المعماريَّة الجديدة.


وفي مشروعات كُبْرى مثل الدرعيَّة، والعُلا، ونيوم يُعاد تفسير التاريخ العمرانيِّ بأساليب معاصرة، تجمع بين الأصالة والابتكار؛ ممَّا يشكِّل مثالًا ملهمًا على كيف يمكن للمدن أنْ تتطوَّر دون أنْ تفقد روحها.

المدينة ليست مجرد شوارع ومبانٍ... إنها كائن حي يتنفس من خلال هوية عمرانية تعبر عن سكانها، وإنَّ الحفاظ على هذه الهويَّة لا يعني الجمود، بل التطوير الواعي، الذي يحترم الماضي، ويرى المستقبل من خلاله، فكما يقول المعماري الشهير حسن فتحي: «المباني التي لا تخاطب الإنسان... لا قيمة لها، ولو بلغت عنان السماء».

أخبار ذات صلة

مشروعك.. الطريق الذي يعيدك إلى نفسك!
ثيميستوكليس المنتخب السعودي!!
الترند.. ظاهرة العصر
دعوة للاهتمام بريفنا الجميل
;
هل العلاج بـ«الببتيدات» يسبب السرطان؟
أين الكفاءات الوطنية في غرف التقييم؟
حفظ النعمة
الوسطية ما بعد الإمبريالية
;
ظاهرة الاستفزاز المربحة
لا تستثمر في أبنائك!
هل كريستيانو صفقة رابحة أم خاسرة؟ (2)
30 يومًا.. بالعناية المركزة أعادت ترتيب حياتي
;
سر الأمن.. في رحلة العمر
من لندن إلى مكة.. رحلة إيمانية خالدة
نكد بلس !!
حج 1448.. موسم يبدأ قبل أن يبدأ