كتاب

بين عجلات «الباص» تدور الحكاية!

ليست كل الحكايات تُروى في نشرات الأخبار، فبعضها يمرُّ يوميًّا أمام أعيننا في صمت... خلف زجاج باصٍ مدرسيٍّ يحمل على متنه ضجيج الصباح، وضحكات الصغار.

لكن ما لا يُسمع وسط ذلك الضجيج، هو صوت السائق الذي يقود الباص بثمنٍ من التعب، وأجرٍ لا يكاد يسد رمق الحاجة.


قبل أيام، توقفتُ عند أحد ممرات المدارس، حيث تجتمع حافلات النقل الخاصة والعامة في نهاية الدوام، هناك، لفت نظري مشهدٌ لم يكن عابرًا: سائق أنهى لتوِّه إيصال الطلبة، ثم وقف -أعزكم الله- يبحث في أطراف حاوية نفايات عن بقايا طعام.

تجمَّدت خطواتي للحظة، وكأنَّ المشهد يصرخ دون صوت: هل من المعقول أنَّ من يحمِل أبناءنا إلى مدارسهم، لا يجد ما يحمله إلى بيته؟


منذ ذلك اليوم، بدأتُ أقتربُ أكثر من هؤلاء السَّائقين. تحدَّثتُ مع عددٍ منهم، ينتمُون إلى دولٍ عربيَّةٍ مختلفة، وكلهم يشتركُون في القصَّة ذاتها: تدنِّي الأجور، انعدام في الخدمات الأساسيَّة، وتجاهل لاحتياجاتهم الإنسانيَّة، ورغم ذلك، يواصلون عملهم يومًا بعد آخرَ، في صمتٍ لا يسمعه أحدٌ، إلَّا مَن يملك قلبًا يُصغي.

وأنا أستمعُ إليهم، أدركتُ أنَّ القضيَّة لا تتعلَّق فقط بأجورٍ أو ظروفٍ قاسيةٍ، بل تمتد إلى تعاملنا نحن معهم في الشوارع، فكثير منهم يحكي عن مواقف لا تخلو من القسوة، حين يُحاول سائق الباص أنْ يأخذ حقَّه في الطريق، فيُقابل بصوتٍ مرتفع، أو نظرةٍ تقلِّل من شأنه.

ننسى أحيانًا أنَّ هذا السَّائق لا ينقل حديدًا، ولا بضائع، بل يحمل على مقعده الخلفيِّ أبناءنا وبناتنا. ومن أبسط واجباتنا أنْ نحترم أولويَّته، ونُراعي مشقَّته في الزحام، فذلك نوع من الإنسانيَّة قبل أنْ يكون من النظام.

المسألة هنا لا تتعلَّق فقط بحقوق عماليَّة أو إنسانيَّة، بل تمتد لتلامس صورة المجتمع ذاته. فحين يَشعر مَن يخدم أبناءنا بالتقدير، ويرى أنَّ عمله يحظى بالاحترام، فإنَّ ذلك ينعكس على سلوك الطلاب، وعلى مفهومهم المبكِّر للكرامة والعمل والرحمة.

الأطفال يتعلَّمون بالصورة أكثر من الكلمة، ومن المؤلم أنْ تكون الصورة اليوميَّة أمام المدرسة درسًا في التجاهل لا في الإنسانيَّة.

الأمر لا يتوقف عند الجانب الإنسانيِّ فقط؛ فالسَّائقون ليسوا مجرَّد موظَّفين، بل هم مسؤولُون عن سلامة فلذات أكبادنا، وحين تضيق بهم الظروف، وتُهمل حقوقهم، فإنَّنا نغامر بجودة الأداء وسلامة الطريق.

إنَّ أبسط مقوِّمات العدل أنْ نوفِّر لهم الحد الأدنى من الاستقرار؛ لأنَّ مَن يقود بأمان... يقود أبناءنا بأمان.

* نقطة تحت السطر:

ربما لا نملك أنْ نُصلح العالم، لكنْ يمكننا أنء نبدأ بإصلاح جزءٍ صغيرٍ منه... يبدأ من «مقعد السائق».

أخبار ذات صلة

مشروعك.. الطريق الذي يعيدك إلى نفسك!
ثيميستوكليس المنتخب السعودي!!
الترند.. ظاهرة العصر
دعوة للاهتمام بريفنا الجميل
;
هل العلاج بـ«الببتيدات» يسبب السرطان؟
أين الكفاءات الوطنية في غرف التقييم؟
حفظ النعمة
الوسطية ما بعد الإمبريالية
;
ظاهرة الاستفزاز المربحة
لا تستثمر في أبنائك!
هل كريستيانو صفقة رابحة أم خاسرة؟ (2)
30 يومًا.. بالعناية المركزة أعادت ترتيب حياتي
;
سر الأمن.. في رحلة العمر
من لندن إلى مكة.. رحلة إيمانية خالدة
نكد بلس !!
حج 1448.. موسم يبدأ قبل أن يبدأ