كتاب
حين يعلو صوت المطر.. ويسكت صوت الحذر
تاريخ النشر: 19 نوفمبر 2025 22:39 KSA
لم تكن حالة الجمعة، مجرَّد سحابةٍ عابرةٍ، كانت أقربَ إلى امتحانٍ معلَّقٍ فوق رؤوسنا، امتحان تُعلن أسئلته بوضوح منذ اللَّيلة السَّابقة، وتوزِّع الجهاتُ المختصَّةُ نماذجَ الإجابةِ فيه بلا مقابل: الأرصادُ تبثُّ خرائطها، الدفاعُ المدنيُّ يكرِّرُ النداءاتِ، أمانةُ جدَّة ترفعُ جاهزيتها، وتستبقُ الهطولَ بخططٍ فطنةٍ، لم نكن نعرفها في سنوات مضت.
ومع ذلك... يبقى في المشهد شيءٌ مدهشٌ، شيءٌ لا تستطيع أنْ تصنِّفه بدقَّة، كأنَّك تمسك به، ويظل يفلت من بين أصابعك.
كنتُ أمرُّ على طرق أبحر، والسَّحابة في أعلى مراحل امتلائها، ومع ذلك كان المشهدُ يمتلئ بالنَّاس؟! سيَّارات تتكاثر، وكأنَّنا على أبواب مهرجان، أطفالٌ ينزلُون بحماسةٍ، كبارُ سنٍّ يمشونَ نحو البحر ببطء يثير القلق، شبابٌ يبحثُونَ عن لقطة «تستحق النشر» أكثر ممَّا تستحق السَّلامة.
أحدُهم غاضبٌ؛ لأنَّه لم يجد موقفًا، وآخرُ يتجادل مع صديقه؛ لأنَّه يريد الجلوس في أقرب نقطة للموج، وثالثٌ لا يرَى في التحذيراتِ إلَّا مبالغةً، وكأنَّ السماءَ ستعيد النَّظر في قرارها؛ احترامًا لوجهة نظره؟!
في تلك اللَّحظة، شعرتُ بأنَّ الخطر لم يعد في المطر نفسه، بل في السُّلوك الذي يسبق المطر ويتجاوزه.
وفي تلك اللَّحظات، تذكَّرتُ كيف تختلف تفاصيل المملكة من شمالها لجنوبها، ومن شرقها لغربها، مناطق جبليَّة تزدادُ جمالًا بعد المطر، وصحراءُ تتنفسُ كما لو أنَّها خرجت للتوِّ من غيمٍ طويلٍ، وسواحل تصبح لوحةً مفتوحةً للمتنزِّهِينَ والمصوِّرِينَ.
تتنوَّع المناظر، وتتنوَّع القصص... لكنَّ السلوك الخاطئ يظلُّ واحدًا أينما وُجد صاحبه. سلوكٌ يتجاهل التحذيرات، لا لأنَّه في مكان خطِر، بل لأنَّه اختار التصرُّف الخاطئ في مكان جميل.
ورغم كل هذا التنوُّع، نجد أنَّ كافَّة الجهات الرسميَّة بأجهزتها المختلفة، قد أدَّت دورها كما يجب.
الأمانة كانت على الأرض بالفعل، الفرق الميدانيَّة، الاستجابة العاجلة، الشفَّاطات التي تُحرَّك قبل أنْ تتحوَّل الشوارع إلى بحيرات، مشاهد لم نكن نراها بهذه السرعة سابقًا، ولا بهذه الجاهزيَّة.
نعم، كلُّ جهة في الدنيا قد تُخطئ أو تتأخَّر، لكن المعيار ليس الكمال، المعيار هو أثر الاجتهاد، وأثر الاجتهاد كان ظاهرًا.
لكنَّ السؤال الذي لا يكفُّ عن الصعود، رغم كل ذلك: ما قيمةُ كلِّ هذا العمل، إنْ بَقِيَ الوعيُ هو الحلقةُ المفقودةُ؟
كيف يمكن لخطة محكمة أنْ تنجح، إذا كان أوَّل مَن يواجهها هو سلوكٌ يفتحُ باب الخطر بيديهِ؟ لقد شاهدتُ بنفسي مشاهدَ لا تُصدَّق:
شخصٌ يصرُّ على عبور تجمُّع مائيٍّ؛ لأنَّه «مستعجل»، وآخرُ يدخل في منخفضٍ مغمورٍ؛ لأنَّه «يعرف طريقه»، وثالثٌ يرَى سيَّارات تتوقَّف أمامه ثمَّ يقول: «معي دفع رباعي»!
هذه النماذج -وأقولُها شفقةً لا قسوةً- هي التي تجعلُ الخطرَ يتغلَّب على الرَّحمة، وتحوِّل المطرَ من نعمةٍ إلى نقمةٍ لا ذنبَ لها.
نحن في بلد محفوظ برحمة الله، ثمَّ بجهود لا تتوقَّف قبل الحالة، ولا أثناءها، ولا بعدها، لكن يبقى الدَّور الذي لا يمكن أنْ تؤدِّيه أيُّ جهةٍ نيابةً عنَّا: دور الوعي، ذاك الذي إنْ غابَ... لم تنفعْ خرائطُ، ولا تنبيهاتٌ، ولا خططُ طوارئٍ.
* نقطة تحت السطر:
المطرُ نعمةٌ... لكنَّ النعمةَ لا تكتملُ إلَّا بعقلٍ يعرفُ كيفَ يحفظُهَا، ولَا يعرِّضُ نفسَهُ لهَا.
ومع ذلك... يبقى في المشهد شيءٌ مدهشٌ، شيءٌ لا تستطيع أنْ تصنِّفه بدقَّة، كأنَّك تمسك به، ويظل يفلت من بين أصابعك.
كنتُ أمرُّ على طرق أبحر، والسَّحابة في أعلى مراحل امتلائها، ومع ذلك كان المشهدُ يمتلئ بالنَّاس؟! سيَّارات تتكاثر، وكأنَّنا على أبواب مهرجان، أطفالٌ ينزلُون بحماسةٍ، كبارُ سنٍّ يمشونَ نحو البحر ببطء يثير القلق، شبابٌ يبحثُونَ عن لقطة «تستحق النشر» أكثر ممَّا تستحق السَّلامة.
أحدُهم غاضبٌ؛ لأنَّه لم يجد موقفًا، وآخرُ يتجادل مع صديقه؛ لأنَّه يريد الجلوس في أقرب نقطة للموج، وثالثٌ لا يرَى في التحذيراتِ إلَّا مبالغةً، وكأنَّ السماءَ ستعيد النَّظر في قرارها؛ احترامًا لوجهة نظره؟!
في تلك اللَّحظة، شعرتُ بأنَّ الخطر لم يعد في المطر نفسه، بل في السُّلوك الذي يسبق المطر ويتجاوزه.
وفي تلك اللَّحظات، تذكَّرتُ كيف تختلف تفاصيل المملكة من شمالها لجنوبها، ومن شرقها لغربها، مناطق جبليَّة تزدادُ جمالًا بعد المطر، وصحراءُ تتنفسُ كما لو أنَّها خرجت للتوِّ من غيمٍ طويلٍ، وسواحل تصبح لوحةً مفتوحةً للمتنزِّهِينَ والمصوِّرِينَ.
تتنوَّع المناظر، وتتنوَّع القصص... لكنَّ السلوك الخاطئ يظلُّ واحدًا أينما وُجد صاحبه. سلوكٌ يتجاهل التحذيرات، لا لأنَّه في مكان خطِر، بل لأنَّه اختار التصرُّف الخاطئ في مكان جميل.
ورغم كل هذا التنوُّع، نجد أنَّ كافَّة الجهات الرسميَّة بأجهزتها المختلفة، قد أدَّت دورها كما يجب.
الأمانة كانت على الأرض بالفعل، الفرق الميدانيَّة، الاستجابة العاجلة، الشفَّاطات التي تُحرَّك قبل أنْ تتحوَّل الشوارع إلى بحيرات، مشاهد لم نكن نراها بهذه السرعة سابقًا، ولا بهذه الجاهزيَّة.
نعم، كلُّ جهة في الدنيا قد تُخطئ أو تتأخَّر، لكن المعيار ليس الكمال، المعيار هو أثر الاجتهاد، وأثر الاجتهاد كان ظاهرًا.
لكنَّ السؤال الذي لا يكفُّ عن الصعود، رغم كل ذلك: ما قيمةُ كلِّ هذا العمل، إنْ بَقِيَ الوعيُ هو الحلقةُ المفقودةُ؟
كيف يمكن لخطة محكمة أنْ تنجح، إذا كان أوَّل مَن يواجهها هو سلوكٌ يفتحُ باب الخطر بيديهِ؟ لقد شاهدتُ بنفسي مشاهدَ لا تُصدَّق:
شخصٌ يصرُّ على عبور تجمُّع مائيٍّ؛ لأنَّه «مستعجل»، وآخرُ يدخل في منخفضٍ مغمورٍ؛ لأنَّه «يعرف طريقه»، وثالثٌ يرَى سيَّارات تتوقَّف أمامه ثمَّ يقول: «معي دفع رباعي»!
هذه النماذج -وأقولُها شفقةً لا قسوةً- هي التي تجعلُ الخطرَ يتغلَّب على الرَّحمة، وتحوِّل المطرَ من نعمةٍ إلى نقمةٍ لا ذنبَ لها.
نحن في بلد محفوظ برحمة الله، ثمَّ بجهود لا تتوقَّف قبل الحالة، ولا أثناءها، ولا بعدها، لكن يبقى الدَّور الذي لا يمكن أنْ تؤدِّيه أيُّ جهةٍ نيابةً عنَّا: دور الوعي، ذاك الذي إنْ غابَ... لم تنفعْ خرائطُ، ولا تنبيهاتٌ، ولا خططُ طوارئٍ.
* نقطة تحت السطر:
المطرُ نعمةٌ... لكنَّ النعمةَ لا تكتملُ إلَّا بعقلٍ يعرفُ كيفَ يحفظُهَا، ولَا يعرِّضُ نفسَهُ لهَا.