كتاب

لماذا يرى بعضنا السواد فقط؟!

نظنُّ أحيانًا أنَّ العالمَ واحدٌ، وأنَّ ما نراهُ يجب أنْ يراهُ الآخرُونَ بالطريقة نفسها، لكنَّ الحقيقة أبعد من ذلك بكثير. فنحنُ لا نرى الدُّنيا كما هي، بل كما نحنُ، وكلٌّ منَّا يرتدي نظَّارةً خفيَّةً، تشكَّلت من تجاربِهِ ومشاعرِهِ وذاكرتِهِ وعمقِ ما مرَّ به. ولهذا يختلفُ النَّاسُ في رؤيتهم حتَّى لأبسط التفاصيل؛ فموقفٌ قد يبدو فرصةً لشخصٍ، قد يراهُ آخرُ تهديدًا، وكلمةٌ قد تلامسُ قلبَ أحدِهم، قد تُوقظُ جُرحًا قديمًا في قلبِ آخرَ. نحن لا نواجه اللَّحظة وحدها، بل نواجه معها طبقات طويلة من الحياة التي عشناها.

وتلعبُ المشاعرُ دورًا خفيًّا في تشكيل عدستنا. ففي الأيام التي يثقلُ فيها القلب، يصبحُ العالمُ كلُّه معتمًا، مهما حاولنا تجميله. تبدو الوجوهُ متجهِّمةً، والكلماتُ خشنةً، والطرقاتُ ضيِّقةً، لا لأنَّ الواقع مظلمٌ، بل لأنَّ الداخل هو الذي انطفأ. وفي المقابل، حين يضيءُ الداخل بفرحةٍ صغيرةٍ، نرَى الدنيا أخفَّ ممَّا هي عليه، كأنَّ الأشياء تتواطأ لتبدو أجملَ وأكثرَ قربًا منَّا. كل هذا يحدث داخلنا، قبل أنْ يحدث حولنا.


والقيمُ التي نحملُها كذلك، تحدِّد طريقة رُؤيتنا. نفس الفعل قد يُقرَأ بشجاعة لدى شخصٍ، ويُفهَم بتهوُّرٍ لدى آخرَ، لا لأنَّ الحقيقة تغيَّرت، بل لأنَّ البوصلةَ الداخليَّةَ مختلفةٌ. أمَّا البيئة التي نشأنا فيها، فتظلُّ ظلًّا طويلًا في حياتنا. مَن عرفَ الأمانَ يرى العالمَ متسعًا، ومَن عاشَ في خوفٍ، أو حرمانٍ، أو قسوةٍ يرَى الحياةَ معركةً مستمرَّةً، وتتحوَّل أبسط التفاصيل إلى ألمٍ مستمرٍّ.

ومع ذلك، بين كل هذه النوافذ المختلفة على الحياة، يظلُّ السؤال قائمًا:


لماذا يرَى بعضُنا السوادَ فقط؟ هناك مَن يعيش وكأنَّه يحملُ فوق عينيهِ طبقةً كثيفةً من الظَّلام، لا يرَى معها أيَّ إنجازٍ مهما كانَ واضحًا، ولا يحتفلُ بأيِّ خطوةٍ جميلةٍ، ولا يصدِّقُ أنَّ الخيرَ ممكنٌ. هؤلاء لا يغفلُون الضوء؛ لأنَّه غير موجود، بل لأنَّ السوادَ استكنَّ في قلوبِهِم وعقولِهِم، حتَّى صار هو الحقيقة الوحيدة التي يعرفُونَها.

كلُّ نجاحٍ بالنسبة لهم صدفةٌ، وكلُّ فرصةٍ خدعةٌ، وكلُّ نورٍ مؤقتٌ، فيغدُو العالم في أعينهم صفحةً رماديَّةً لا تحتمل الأمل. من عاش طويلًا في الظَّلام، يصعبُ عليه أنْ يصدِّق الشمسَ حتى حين تشرق على وجههِ مباشرةً.

إنَّ فهم هذا الاختلاف في الرُّؤية، يساعدنا على أنْ نكون أرحمَ بأنفسنا وبالآخرين.

البعض لا يحتاج محاسبة، بقدر ما يحتاج عونًا، ولا يحتاج لومًا، بقدر ما يحتاج إلى ضوء صغير يذكره أن الحياة ليست كما يراها عبر نظارته المعتمة. وحين ندرك أنَّنا لا ننظر إلى العالم بعيوننا فقط، بل بقلوبنا وتاريخنا، وما نحمله في الداخل، نصبحُ أقلَّ قسوة في حكمنا على النَّاس، وأقربَ إلى فهم إنسانيَّتهم. في النهاية، ما نراهُ ليس العالم الحقيقيَّ، بل انعكاسُ ما يسكن أرواحنا. وربما يكفي أنْ نسأل أنفسنا في لحظةِ صدقٍ: هل السوادُ في الخارج... أم في الداخلِ الذي يحتاجُ أنْ يشفَى؟

أخبار ذات صلة

مشروعك.. الطريق الذي يعيدك إلى نفسك!
ثيميستوكليس المنتخب السعودي!!
الترند.. ظاهرة العصر
دعوة للاهتمام بريفنا الجميل
;
هل العلاج بـ«الببتيدات» يسبب السرطان؟
أين الكفاءات الوطنية في غرف التقييم؟
حفظ النعمة
الوسطية ما بعد الإمبريالية
;
ظاهرة الاستفزاز المربحة
لا تستثمر في أبنائك!
هل كريستيانو صفقة رابحة أم خاسرة؟ (2)
30 يومًا.. بالعناية المركزة أعادت ترتيب حياتي
;
سر الأمن.. في رحلة العمر
من لندن إلى مكة.. رحلة إيمانية خالدة
نكد بلس !!
حج 1448.. موسم يبدأ قبل أن يبدأ