كتاب

عندما نسكت العاطفة احترامًا للوقت

التعلُّم ليس دائمًا إضافةَ شيءٍ جديد إلى حياتنا، بل أحيانًا هو إزالةُ ما لم يعد يشبهنا. في هذه المرحلة، أصبح الوقتُ -بالنسبة لي- عنصرًا لا يُستهان به، ليس لأنَّه قليل، بل لأنَّه صار واضحَ القيمةِ. لم أعد تلك النسخة التي كانت تجامل على حساب راحتها، أو تؤجِّل مسارها المهنيَّ إرضاءً للآخرِين. تغيَّرتُ، نعم، لكن دون أنْ أتخلَّى عن طيبتِي، فهي ما زالت حاضرةً، فقط لم تعد تُستنزف.

أصبحتُ أتَّخذُ قراراتِي في لحظتها، بهدوء، ومن دون شعور بالذَّنب. تعلَّمتُ أنَّ الحسم لا يعني القسوة، وأنَّ الاعتذار الصَّامت عن بعض الدَّعوات ليس رفضًا للأشخاص، بل احترام للذَّات. هذا الفهم جعلني أتوقَّف عند موقف صادفنِي في مناسبة اجتماعيَّة، حين التقيتُ صدفةً بصديقةٍ لصديقة مشتركة، كانت يومًا قريبةً إلى قلبِي، ثمَّ ابتعدنا مع الوقت.


لم أزرها سابقًا، لا عن تجاهل، بل لأنَّني لم أكن مدعوةً إلى إحدى مناسباتها العائليَّة. في تلك اللحظة، دعتنِي لحضور حفلةٍ، وكانت الدَّعوةُ في اليوم نفسه. تساءلتُ بصراحةٍ مع نفسي: لو لم نلتقِ صدفةً، هل كانت ستفعل؟ ولماذَا لم أكنْ من ضمن المئة شخصٍ منذ البداية؟ أسئلة بسيطة، لكنَّها كافيةٌ لتوضيح الصورة. لو كنتُ النسخة القديمة، لذهبتُ فورًا، بدافع المجاملةِ، أو الخوف من أنْ أُساء الفهم. لكنَّني اليوم اخترتُ يومي. اخترتُ أنْ أستثمرَه في تعلُّم كتابة السيناريو، وأنْ أخصِّص وقتًا لتطوير لُغتي الإنجليزيَّة، وحتَّى أنْ أذهب إلى مقهى وحدي، دون شعور بالوحدة، بل بامتنان لهذه المساحة الخاصَّة.

وخلال هذه المرحلة، استحضرتُ جملةً علقتْ في ذهنِي من مسلسل يوميَّات مصَّاص الدماء، قالها ديمون: (أخمد إنسانيَّتك) لم أفهمها يومًا كدعوةٍ للتخلِّي عن المشاعر، أو التحوُّل إلى القسوة، بل كتنبيهٍ ذكيٍّ بأنَّ هناك مواقفَ في الحياة يتعيَّنُ علينا فيها أنْ نُسكت اندفاعنا العاطفيَّ قليلًا. ليس المقصود أنْ نُؤذي الآخرِين، بل على العكس، أنْ نعاملهم بالحُسنى، ونخرج بهدوء من دوائر لم تعد تناسبنا، مع الاحتفاظ بالذكرياتِ الجميلة دون صراعٍ أو ضجيجٍ. أحيانًا، إخماد الإنسانيَّة لا يعني فقدانها، بل حمايتها من الاستنزاف، ومنحها مساحةً لتبقى نقيَّةً حيث تستحق.


التعلُّم من جديد لا يعني فقط تعلُّم مهارة، بل تعلُّم كيف نختار. كيف نضع وقتنا في المكان الذي يضيف لنا، لا الذي يستهلكنا. بعض البدايات لا تحتاج إعلانًا، بل قرارًا داخليًّا صادقًا.

* من النافذة:

اخترْ وقتَكَ، وأخمدْ ما يستنزفُكَ، فالحياةُ تمضِي أجملَ حينَ تقودُها بوعيٍ.

أخبار ذات صلة

مشروعك.. الطريق الذي يعيدك إلى نفسك!
ثيميستوكليس المنتخب السعودي!!
الترند.. ظاهرة العصر
دعوة للاهتمام بريفنا الجميل
;
هل العلاج بـ«الببتيدات» يسبب السرطان؟
أين الكفاءات الوطنية في غرف التقييم؟
حفظ النعمة
الوسطية ما بعد الإمبريالية
;
ظاهرة الاستفزاز المربحة
لا تستثمر في أبنائك!
هل كريستيانو صفقة رابحة أم خاسرة؟ (2)
30 يومًا.. بالعناية المركزة أعادت ترتيب حياتي
;
سر الأمن.. في رحلة العمر
من لندن إلى مكة.. رحلة إيمانية خالدة
نكد بلس !!
حج 1448.. موسم يبدأ قبل أن يبدأ