كتاب
أين وزارتا الثقافة والسياحة عن هذا الموقع؟
تاريخ النشر: 21 يناير 2026 22:33 KSA
ليس الانفتاحُ السياحيُّ الذي تعيشه المملكةُ اليوم، مجرَّد أرقامٍ تُسجَّل، أو وجهاتٍ تُضاف إلى الخرائط، بل هو تحوُّل أعمق في طريقة قراءة المكان، وفي إدراك ما يمثِّل قيمة حضريَّة وثقافيَّة حقيقيَّة. فالزَّائر لا يبحث دائمًا عمَّا أُعدَّ له مسبقًا، بقدر ما يبحث عمَّا يشعره بأنَّ المدينة تُروى كما هي، دون رتوش.
في جدَّة، تبدو هذه المفارقة أكثر وضوحًا. فبينما تُوجَّه الأنظارُ -عادةً- إلى المواقع المعروفة، يتوقَّف بعضُ الزوَّار من عند مساحات تبدو عاديةً في نظر أهلها، لكنَّها تحمل في تفاصيلها ما يشبه الذَّاكرة الحيَّة للمدينة، وملامح مرحلة عمرانيَّة لم تُقرَأ بعد، بوصفها جزءًا من الهويَّة.
قربُ منطقة البلد، وعلى امتداد شارع الملك فهد (السِّتين)، يلفت انتباه الزَّائر «مول» قديمٌ، يُعرف باسم «محمود سعيد». مبنى شُيِّد قبلَ نحو ربع قرن، بطرازٍ معماريٍّ داخليٍّ لافتٍ، مرَّ بمراحل صعود وخفوت، وكاد في مرحلة ما أنْ يتحوَّل إلى فراغٍ حضريٍّ، قبل أنْ تعيده التحوُّلات العمرانيَّة الأخيرة إلى المشهد من جديد. اللَّافت أنَّ هذا «المول» لم يعدْ مجرَّد مساحة للتسوُّق، بل محطَّة يتوقَّف عندها الزوَّار لالتقاط الصُّور، وتأمُّل التَّفاصيل: الممرَّات، الضُّوء، الزَّخارف، والعلاقة غير المتكلَّفة بين المبنى ومحيطه.
دهشة لا تصنعها الفخامة، بل الصِّدقُ المعماريُّ، وملامح كأنَّها كُتبت لهذا الزَّمن في الجدران، وعلى منصَّات التواصل الاجتماعيِّ، تُظهِر هذه الدَّهشة بوضوح: صورًا عفويَّةً، تعليقاتٍ قصيرةً، وانبهارًا بمكان لم يُقدَّم يومًا بوصفه وجهةً ثقافيَّةً أو سياحيَّةً، لكنَّه فرض نفسه كذلك، دون تسويق أو إعداد مسبق.
وإذا كان هذا التفاعلُ العفويُّ يبرز بشكل لافتٍ لدى الزوَّار الأوروبيِّين تحديدًا، فهو لا يأتي من فراغ. فهذا النمطُ من العمارة، بتفاصيله الداخليَّة، وبساطته غير المتكلَّفة، وانتمائه الواضح لجمال هندسيٍّ مُبهر، ينسجم مع ذائقة ثقافيَّة اعتادت قراءة المدن من خلال مبانيها اليوميَّة، لا من خلال معالمها المعتادة فقط.
وهنا يبرز دور الثَّقافة بوصفها العدسة الأعمق لفهم المكان، في هذا المبنى ضمن إطار ثقافيٍّ، بالتَّنسيق مع وزارة السياحة، يمكن أنْ يتحوَّل إلى مساحة تحمل أكثر من وظيفة: بوابة للزَّائر، ومنصَّة تحكي عن جدَّة الحديثة، وذاكرتها العمرانيَّة، وتحوُّلاتها الاجتماعيَّة، وعلاقتها بالبحر، وبالمدينة؛ بوصفها كيانًا حيًّا لا مجرَّد وجهةٍ. ليست الحاجة هنا إلى تغيير جوهر المكان، بل إلى قراءة ثقافيَّة واعية تستثمر في قصَّته، وتسمح له بأنْ يقدِّم نفسه كما هو.
وفي هذا السياق، يمكن للبُعد الثقافيِّ أنْ يلعب دورًا محوريًّا إذا ما جرى تفعيله بالتَّكامل مع وزارة السِّياحة، لا بوصفه نشاطًا موسميًّا، بل كامتدادٍ طبيعيٍّ لرُوح المكان.
إذ يمكن للمبنَى أنْ يحتضنَ ندواتٍ ثقافيَّةً محدودةً، أو معارضَ تشكيليَّةً مؤقتةً، أو عروضًا بصريَّةً توثِّق تحوُّلات جدَّة العمرانيَّة والاجتماعيَّة، بما يحافظ على طبيعته الأصليَّة، ويمنحه في الوقت ذاته وظيفة ثقافيَّة هادئة. مثل هذه المبادرات لا تفرض نفسها على المكان، بل تنسجم معه، وتمنح الزائر فرصة أعمق لفهم المدينة، لا عبر الشرح المباشر، بل من خلال التجربة.
إنَّ تبنِّي هذا الموقع، وأمثاله، بوصفه معلمًا حضريًّا ذا قيمة ثقافيَّة، لا يعني تحويله إلى مشهد مصطنع، بل تنظيمه، وتوثيق قصَّته، وربطه بسياق جدَّة الاجتماعيِّ والعمرانيِّ، دون المساس بروحهِ أو طبيعتهِ، فالمدن التي تنجح في جذب الزَّائر، هي تلك التي تُحسن قراءة نفسها أوَّلًا، قبل أنْ تشرحها للآخرِينَ.
* نقطة تحت السطر:
أحيانًا نحتاجُ إلى عينٍ غريبةٍ؛ كَي نرَى مدنَنَا كمَا تستحقُّ أنْ تُرَى.
في جدَّة، تبدو هذه المفارقة أكثر وضوحًا. فبينما تُوجَّه الأنظارُ -عادةً- إلى المواقع المعروفة، يتوقَّف بعضُ الزوَّار من عند مساحات تبدو عاديةً في نظر أهلها، لكنَّها تحمل في تفاصيلها ما يشبه الذَّاكرة الحيَّة للمدينة، وملامح مرحلة عمرانيَّة لم تُقرَأ بعد، بوصفها جزءًا من الهويَّة.
قربُ منطقة البلد، وعلى امتداد شارع الملك فهد (السِّتين)، يلفت انتباه الزَّائر «مول» قديمٌ، يُعرف باسم «محمود سعيد». مبنى شُيِّد قبلَ نحو ربع قرن، بطرازٍ معماريٍّ داخليٍّ لافتٍ، مرَّ بمراحل صعود وخفوت، وكاد في مرحلة ما أنْ يتحوَّل إلى فراغٍ حضريٍّ، قبل أنْ تعيده التحوُّلات العمرانيَّة الأخيرة إلى المشهد من جديد. اللَّافت أنَّ هذا «المول» لم يعدْ مجرَّد مساحة للتسوُّق، بل محطَّة يتوقَّف عندها الزوَّار لالتقاط الصُّور، وتأمُّل التَّفاصيل: الممرَّات، الضُّوء، الزَّخارف، والعلاقة غير المتكلَّفة بين المبنى ومحيطه.
دهشة لا تصنعها الفخامة، بل الصِّدقُ المعماريُّ، وملامح كأنَّها كُتبت لهذا الزَّمن في الجدران، وعلى منصَّات التواصل الاجتماعيِّ، تُظهِر هذه الدَّهشة بوضوح: صورًا عفويَّةً، تعليقاتٍ قصيرةً، وانبهارًا بمكان لم يُقدَّم يومًا بوصفه وجهةً ثقافيَّةً أو سياحيَّةً، لكنَّه فرض نفسه كذلك، دون تسويق أو إعداد مسبق.
وإذا كان هذا التفاعلُ العفويُّ يبرز بشكل لافتٍ لدى الزوَّار الأوروبيِّين تحديدًا، فهو لا يأتي من فراغ. فهذا النمطُ من العمارة، بتفاصيله الداخليَّة، وبساطته غير المتكلَّفة، وانتمائه الواضح لجمال هندسيٍّ مُبهر، ينسجم مع ذائقة ثقافيَّة اعتادت قراءة المدن من خلال مبانيها اليوميَّة، لا من خلال معالمها المعتادة فقط.
وهنا يبرز دور الثَّقافة بوصفها العدسة الأعمق لفهم المكان، في هذا المبنى ضمن إطار ثقافيٍّ، بالتَّنسيق مع وزارة السياحة، يمكن أنْ يتحوَّل إلى مساحة تحمل أكثر من وظيفة: بوابة للزَّائر، ومنصَّة تحكي عن جدَّة الحديثة، وذاكرتها العمرانيَّة، وتحوُّلاتها الاجتماعيَّة، وعلاقتها بالبحر، وبالمدينة؛ بوصفها كيانًا حيًّا لا مجرَّد وجهةٍ. ليست الحاجة هنا إلى تغيير جوهر المكان، بل إلى قراءة ثقافيَّة واعية تستثمر في قصَّته، وتسمح له بأنْ يقدِّم نفسه كما هو.
وفي هذا السياق، يمكن للبُعد الثقافيِّ أنْ يلعب دورًا محوريًّا إذا ما جرى تفعيله بالتَّكامل مع وزارة السِّياحة، لا بوصفه نشاطًا موسميًّا، بل كامتدادٍ طبيعيٍّ لرُوح المكان.
إذ يمكن للمبنَى أنْ يحتضنَ ندواتٍ ثقافيَّةً محدودةً، أو معارضَ تشكيليَّةً مؤقتةً، أو عروضًا بصريَّةً توثِّق تحوُّلات جدَّة العمرانيَّة والاجتماعيَّة، بما يحافظ على طبيعته الأصليَّة، ويمنحه في الوقت ذاته وظيفة ثقافيَّة هادئة. مثل هذه المبادرات لا تفرض نفسها على المكان، بل تنسجم معه، وتمنح الزائر فرصة أعمق لفهم المدينة، لا عبر الشرح المباشر، بل من خلال التجربة.
إنَّ تبنِّي هذا الموقع، وأمثاله، بوصفه معلمًا حضريًّا ذا قيمة ثقافيَّة، لا يعني تحويله إلى مشهد مصطنع، بل تنظيمه، وتوثيق قصَّته، وربطه بسياق جدَّة الاجتماعيِّ والعمرانيِّ، دون المساس بروحهِ أو طبيعتهِ، فالمدن التي تنجح في جذب الزَّائر، هي تلك التي تُحسن قراءة نفسها أوَّلًا، قبل أنْ تشرحها للآخرِينَ.
* نقطة تحت السطر:
أحيانًا نحتاجُ إلى عينٍ غريبةٍ؛ كَي نرَى مدنَنَا كمَا تستحقُّ أنْ تُرَى.