كتاب

حقيقة تنبؤات العالم الهولندي

زلازلُ الأرض، أم مصادفاتُ الكواكب؟ سؤالٌ من الضرويِّ تناوله، والحديث عنه، فمؤخَّرًا ولفترة ليست بالقصيرة، تمَّ تناول ظاهرة التنبؤ بالزَّلازل عبر رصد حركة الكواكب واصطفافها، وهي من الموضوعات التي أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط العامَّة، إلَّا أنَّ الحقيقة العلميَّة تؤكِّد أنَّ علم الزَّلازل هو فرعٌ دقيقٌ ومستقلٌّ من علوم الأرض والجيولوجيا، يعتمدُ كليًّا على دراسة حركة الصَّفائح الأرضيَّة، والضُّغوط المتراكمة في صدوع القشرة الأرضيَّة، وهي قوى نابعةٌ من باطن الأرض، ولا علاقة لها بمواقع الأجرام السماويَّة البعيدة.

وبالنَّظر إلى ادِّعاءات الباحث الهولنديِّ، الذي روَّج لها، ويربط بين هندسة الكواكب والنشاط الزلزاليِّ، فإنَّ لغة الأرقام والإحصاء تدحضُ هذه الفرضيَّات بشكلٍ قاطعٍ، حيث تشير البياناتُ الرصديَّةُ إلى أنَّ الأرض تشهدُ سنويًّا ما يقارب عشرين ألفَ زلزالٍ، منها حوالى خمسة عشر زلزالًا كبيرًا تتجاوز قوَّتها سبع درجات، وهذا يعني إحصائيًّا أنَّ احتمال وقوع زلزال في أيِّ وقتٍ من السَّنة هو احتمالٌ مرتفعٌ جدًّا؛ ممَّا يجعل أيَّ توقُّع عام يطلقه هذا الباحث مجرَّد مصادفة عابرة، تفرضها لُغة الاحتمالات، وتكرار التنبؤات، وليس نتيجة لدقَّة علميَّة. وعند إخضاع توقُّعاته للفحص الإحصائيِّ الدَّقيق، يتبيَّن أنَّ نسبة النَّجاح في تحديد الزَّمان والمكان والقوَّة معًا هي صفر بالمئة، فمعظمُ ما يذكره يقعُ في نطاق مناطق نشطة زلزاليًّا بطبيعتها، مثل حزام النَّار، أو منطقة الأناضول، وهي مناطق لا تتوقَّف فيها الهزَّات أساسًا.


إنَّ محاولة ربط جاذبيَّة الكواكب بتشقُّقات القشرة الأرضيَّة، تفتقر إلى المنطق الفيزيائيِّ؛ لأنَّ تأثير جاذبيَّة كوكب بعيد على صخور الأرض، يقلُّ بآلاف المرَّات عن تأثير جاذبيَّة القمر التي تُسبِّب المدَّ والجزرَ، ومع ذلك لا يتسبَّب القمرُ في وقوع زلازلَ مدمِّرةٍ. لذا فإنَّ ما يتم تداوله بين الحين والآخر ليس سوى استغلال للمصادفات الإحصائية، وتوظيف لمشاعر القلق لدى الناس، بينما يظل العلم الجيولوجي هو المرجع الوحيد الرصين الذي يدرس باطن الأرض وتفاعلاته، مؤكدًا أنَّ التنبؤ الدقيق بموعد الزلازل لا يزال خارج القدرة البشريَّة الحاليَّة، وأنَّ أيَّ ادِّعاء بخلاف ذلك، يفتقد للمصداقيَّة العلميَّة والنتائج الإحصائيَّة الموثَّقة؛ لذا يجب علينا وعلى جميع المهتمِّين بمتابعة هذه الظواهر، عدم الانسياق خلف الإثارة الرقميَّة، التي تضجُّ بها منصَّات التواصل الاجتماعيِّ، وضرورة استقاء المعلومات من المصادر الرسميَّة، والهيئات الجيولوجيَّة المتخصِّصة، فالوعي العلميُّ هو الدرعُ الأوَّل في مواجهة المعلومات المضلَّلة، والحقيقة تظلُّ دائمًا في باطن الأرض وصدوعها، لا في اصطفاف كواكبها البعيدة.

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
السمعـــة
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
;
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة