كتاب
منزلي والعمارة
تاريخ النشر: 04 مارس 2026 23:24 KSA
في بلاد الضَّباب، حيث قضيتُ سنواتٍ أدرسُ لا «الكتب» وحدهـا، بل «البشر»، رأيتُ العجب. الإنجليز يقدِّسُون «القديم»؛ لدرجة العبادة! فالشجرة هناك ليست مجرَّد خشب، بل هي «عمرٌ» يُقدَّر، وتاريخٌ يمشِي على الأرض. إنَّهم يرونَ في الشَّجر كائناتٍ لها حقوقٌ، تمامًا كما للبشر.
سمعتُ أنَّ مخطِّطين للطرق في قرية بريطانيَّة، واجهُوا معضلةً هندسيَّةً؛ بسبب «دوَّار» قديم تتوسَّطه شجرةٌ قديمةُ العُمرِ. كان التَّطوير يقتضي إزالة الدوَّار؛ ممَّا يعني بالضَّرورة «إعدام الشَّجرة»، وقلعها من جذورها التي ضربت في الأرض لعقودٍ. في بلادٍ أُخْرى، قد تنطلقُ الجرَّافات؛ لتنهي الأمر، لكنَّ المخطِّط هناك شعر بتأنيبِ ضميرٍ أدبيٍّ، وبأنَّ الأخلاقَ تسبقُ الهندسةَ. كان لزامًا عليهم طرق أبواب سكَّان القرية، والبيوت المجاورة لسؤالهم بتهذيبٍ: «هل تسمحُونَ لنا بقلعِهَا؟». وجاء الردُّ قاطعًا وموحَّدًا: «لا.. هذه الشجرةُ جزءٌ من تراث المكان». وبالفعل، انحنَى المخطِّطُونَ أمام رغبة النَّاس، وبقيتِ الشجرةُ، وتغيَّر مسارُ الطَّريق؛ إكرامًا لذاكرة البشر.
إنَّ الغربيِّين في تخطيط مدنهم، لا يبنُون «كُتلًا خرسانيَّة» صمَّاء، بل يبنُونَ «حياةً» متناغمةً. لديهم فلسفةٌ صارمةٌ في تقسيم الأحياء، فهناك منطقة للفلل، لها قدسيَّة الهدوء، وخصوصيَّة «السَّتر»، وهناك منطقة للملاعب، ومنطقة للحدائق، تكون رئةً يتنفسُ منها الجميعُ. بل إنَّ الأمر يصلُ إلى التدخُّل في «لون الطِّلاء». فاللونُ ملكٌ لعينِ الجارِ التي تقع عليه صباح مساء. إنَّهم يحافظُونَ على «الإيقاع البصريِّ»، وكأنَّ الحيَّ سيمفونيَّةٌ واحدةٌ لا يجوز فيها لأيِّ بناءٍ أنْ يخرج عن النوتة الموسيقيَّة العامَّة.
لكنَّنا نعودُ لواقعنا التي يغيبُ في بعضها المخطِّط أحيانًا، وتحضر الصُّدفةُ. في شارعنا المكوَّن من فلل سكنيَّة تعب أصحابُها ليوفِّرُوا لأنفسهم مساحةً من السَّكينةِ، فوجئنَا بكابوسٍ يرتفع أمامنا. بلا مقدِّمات، وبلا «إحم ولا دستور»، بدأت المعاول تنهشُ أرضًا في شارعنا، وفي غمضةِ عينٍ انتصب هيكلُ عمارة قريب الاكتمال، بدأ يكشف الفلل المجاورة بملامحه الباردة. هيكلٌ مكشوفٌ، نوافذه تطلُّ مباشرةً على غُرف نومنا، وشرفاته تحوَّلت إلى منصَّات مراقبة تكشف أدقَّ تفاصيل حياتنا في حدائقنا.
لقد تحوَّلت الفللُ من منازلَ للسكينةِ إلى مسارحَ مفتوحةٍ أمام الغرباء. غاب السَّترُ الذي بنيناه لسنواتٍ، وحلَّ محلَّه شعورٌ بالانتهاك. والمفارقة موجعة، هناك سألوا النَّاس عن «شجرةٍ»؛ لأنَّها تمسُّ وجدانهم، وفي بيئتنا التي تقدِّس حرمةَ الجوار، لم يسألنا أحدٌ! لم يطرق مهندس بابنا ليقول: «هل سيخدشُ هذا البناءُ سترَكُم؟».
إنَّنا حين نبني المدن، نحتاجُ لأن نتذكَّر أنَّنا نضعُ إطارًا لحياةِ بشرٍ وثقُوا في ذوق المخطِّط وبراعته. ربما غاب عن المخطِّط أنَّ «الستر» هو الركن الأهم في التصميم، وأنَّ أجمل ما في العمارة هو حماية السكينة قبل الأبدان. لقد بات شارعُنا في انتظارِ لمسةٍ تُعيد للمسافات هيبتَها، وللبيوت حرمتَها، وللمخطِّط دورَه الأسمَى كصانعٍ للجَمَالِ.
سمعتُ أنَّ مخطِّطين للطرق في قرية بريطانيَّة، واجهُوا معضلةً هندسيَّةً؛ بسبب «دوَّار» قديم تتوسَّطه شجرةٌ قديمةُ العُمرِ. كان التَّطوير يقتضي إزالة الدوَّار؛ ممَّا يعني بالضَّرورة «إعدام الشَّجرة»، وقلعها من جذورها التي ضربت في الأرض لعقودٍ. في بلادٍ أُخْرى، قد تنطلقُ الجرَّافات؛ لتنهي الأمر، لكنَّ المخطِّط هناك شعر بتأنيبِ ضميرٍ أدبيٍّ، وبأنَّ الأخلاقَ تسبقُ الهندسةَ. كان لزامًا عليهم طرق أبواب سكَّان القرية، والبيوت المجاورة لسؤالهم بتهذيبٍ: «هل تسمحُونَ لنا بقلعِهَا؟». وجاء الردُّ قاطعًا وموحَّدًا: «لا.. هذه الشجرةُ جزءٌ من تراث المكان». وبالفعل، انحنَى المخطِّطُونَ أمام رغبة النَّاس، وبقيتِ الشجرةُ، وتغيَّر مسارُ الطَّريق؛ إكرامًا لذاكرة البشر.
إنَّ الغربيِّين في تخطيط مدنهم، لا يبنُون «كُتلًا خرسانيَّة» صمَّاء، بل يبنُونَ «حياةً» متناغمةً. لديهم فلسفةٌ صارمةٌ في تقسيم الأحياء، فهناك منطقة للفلل، لها قدسيَّة الهدوء، وخصوصيَّة «السَّتر»، وهناك منطقة للملاعب، ومنطقة للحدائق، تكون رئةً يتنفسُ منها الجميعُ. بل إنَّ الأمر يصلُ إلى التدخُّل في «لون الطِّلاء». فاللونُ ملكٌ لعينِ الجارِ التي تقع عليه صباح مساء. إنَّهم يحافظُونَ على «الإيقاع البصريِّ»، وكأنَّ الحيَّ سيمفونيَّةٌ واحدةٌ لا يجوز فيها لأيِّ بناءٍ أنْ يخرج عن النوتة الموسيقيَّة العامَّة.
لكنَّنا نعودُ لواقعنا التي يغيبُ في بعضها المخطِّط أحيانًا، وتحضر الصُّدفةُ. في شارعنا المكوَّن من فلل سكنيَّة تعب أصحابُها ليوفِّرُوا لأنفسهم مساحةً من السَّكينةِ، فوجئنَا بكابوسٍ يرتفع أمامنا. بلا مقدِّمات، وبلا «إحم ولا دستور»، بدأت المعاول تنهشُ أرضًا في شارعنا، وفي غمضةِ عينٍ انتصب هيكلُ عمارة قريب الاكتمال، بدأ يكشف الفلل المجاورة بملامحه الباردة. هيكلٌ مكشوفٌ، نوافذه تطلُّ مباشرةً على غُرف نومنا، وشرفاته تحوَّلت إلى منصَّات مراقبة تكشف أدقَّ تفاصيل حياتنا في حدائقنا.
لقد تحوَّلت الفللُ من منازلَ للسكينةِ إلى مسارحَ مفتوحةٍ أمام الغرباء. غاب السَّترُ الذي بنيناه لسنواتٍ، وحلَّ محلَّه شعورٌ بالانتهاك. والمفارقة موجعة، هناك سألوا النَّاس عن «شجرةٍ»؛ لأنَّها تمسُّ وجدانهم، وفي بيئتنا التي تقدِّس حرمةَ الجوار، لم يسألنا أحدٌ! لم يطرق مهندس بابنا ليقول: «هل سيخدشُ هذا البناءُ سترَكُم؟».
إنَّنا حين نبني المدن، نحتاجُ لأن نتذكَّر أنَّنا نضعُ إطارًا لحياةِ بشرٍ وثقُوا في ذوق المخطِّط وبراعته. ربما غاب عن المخطِّط أنَّ «الستر» هو الركن الأهم في التصميم، وأنَّ أجمل ما في العمارة هو حماية السكينة قبل الأبدان. لقد بات شارعُنا في انتظارِ لمسةٍ تُعيد للمسافات هيبتَها، وللبيوت حرمتَها، وللمخطِّط دورَه الأسمَى كصانعٍ للجَمَالِ.