كتاب

شغف العلم.. إرث عائلي ورسالة حياة

رحلت الدكتورة فتحية حسين عطار، الأستاذة المشاركة في اللُّغة العربيَّة بجامعة أُمِّ القُرَى، بعد مسيرةٍ علميَّةٍ اتَّسمت بالجدِ والاجتهادِ، وحبِّ المعرفة، لم تكنْ ترى في العلم وظيفةً، بل رسالة تُحمَل وتُؤدَّى بإخلاص، وتُورَّث كما تُورَّث القِيم والمبادئ.

قبل وفاتها بشهرٍ، زرتُها في مستشفى الملك فيصل التخصصيِّ، وكان يُقدَّم لها كلُّ الإمكانيَّات والسُّبل إلى الشفاء، رغم طول فترة المرض، أسألُ العليَّ القديرَ أنْ يجزيَ القائمِينَ على المستشفى خيرًا، على ما يقدِّمُونَه من اهتمامٍ ورعايةٍ بالمواطنِ.


قدَّمتُ لها كتابَ الوالد الأديب طلال محمد نور عطَّار -رحمه الله- بعنوان «جدَّة»، وهو آخرُ ما خطَّت يداهُ، وصدر مؤخَّرًا، تأمَّلت الكتابَ بإعجابٍ صادقٍ، واستحضرتْ اهتمامَ الوالد الدائم بالتَّأليفِ والكتابةِ الصحفيَّةِ، ورغم ما كانت تعانيه من مرض، كان حديثُها عن النَّشر والطِّباعة، وعن كتبٍ تتمنَّى أنْ ترَى النورَ قريبًا. دُهشت من هذا الإصرار، وأُعجبت بذلك الشَّغف الذي لم تُضعفه المعاناةُ.

ومن أبرز مؤلَّفاتها كتاب «معجم معاني أسماء الإناث»، الذي لاقى صدًى واسعًا بين القرَّاء والمُهتمِّين باللُّغة العربيَّة؛ لما يتضمَّنه من دقَّة علميَّة، وذائقة لُغويَّة رفيعة، تعكسُ عمقَ تخصصها وحرصها على خدمة اللُّغة.


وينتمي هذا الشَّغف إلى أُسرةٍ محبَّة للعلم والكتابة والتِّجارة؛ فعمُّها وجدَّي هو الأديبُ المعروفُ أحمد عبدالغفور عطَّار، مؤسِّس صحيفة عكاظ، وأحد روَّاد الأدب والصَّحافة في المملكة، لقد كانت عائلة آل عبدالغفور عطَّار بيتَ قلمٍ وفكرٍ، فامتدَّ أثرُ الكلمة عبر الأجيال، وتحوَّل حبُّ العلم إلى هويَّة عائليَّة راسخةٍ.

خرجتُ من زيارتها، وأنا أستحضرُ قولَ النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «إِذَا قَامتِ السَّاعةُ وَفِي يدِ أَحدِكُم فَسيلةٌ فإِنْ استَطَاعَ أَلَّا تقومَ حتَّى يَغرِسُها فليَغرسْهَا». حديث يلخِّص معنى العطاء المستمر، وأنْ يظلَّ الإنسانُ يزرعُ أثرًا حتَّى آخر لحظة.

رحم الله الدكتورة فتحية حسين عطار، وأسأل الله العلي القدير أن يتغمدها بواسع رحمته، وأن يُلهم أبناءها الدكتور خليل وسهل الصبر والسلوان، وأن يجعل ما قدمته من علمٍ في ميزان حسناتها، فقد عاشت للعلم، ورحلت وهي تفكر في نشره، وتبقى سيرتها شاهدًا على أن الكلمة الصادقة لا تموت، وأن من يزرع المعرفة يترك خلفه نورًا لا ينطفئ.

أخبار ذات صلة

مشروعك.. الطريق الذي يعيدك إلى نفسك!
ثيميستوكليس المنتخب السعودي!!
الترند.. ظاهرة العصر
دعوة للاهتمام بريفنا الجميل
;
هل العلاج بـ«الببتيدات» يسبب السرطان؟
أين الكفاءات الوطنية في غرف التقييم؟
حفظ النعمة
الوسطية ما بعد الإمبريالية
;
ظاهرة الاستفزاز المربحة
لا تستثمر في أبنائك!
هل كريستيانو صفقة رابحة أم خاسرة؟ (2)
30 يومًا.. بالعناية المركزة أعادت ترتيب حياتي
;
سر الأمن.. في رحلة العمر
من لندن إلى مكة.. رحلة إيمانية خالدة
نكد بلس !!
حج 1448.. موسم يبدأ قبل أن يبدأ