كتاب
رهانات الطاقة بين هرمز والبدائل الإقليمية
تاريخ النشر: 25 مارس 2026 14:08 KSA
في خضمِّ التَّصعيد الإقليميِّ، وتداعيات الحرب مع إيران، عاد النِّقاشُ حول أمن الطَّاقة إلى واجهة المشهد، ليس بوصفه ملفًّا اقتصاديًّا فحسب، بل كقضيَّةٍ سياديَّةٍ تتقاطعُ فيها الجغرافيا مع السِّياسة. الطَّرح الذي تردَّد مؤخَّرًا حول إمكانيَّة نقل النفط والغاز عبر إسرائيل، يعكس حجم القلق من هشاشة المسارات التقليديَّة، لكنَّه في الوقت ذاته، يفتحُ أسئلةً أكثرَ تعقيدًا؛ ممَّا يقدِّم من حلولٍ.
من الناحية التقنيَّة، تمتلكُ إسرائيل بنيةً تحتيَّةً قائمةً، تربط بين البحر الأحمر والمتوسط؛ ما يجعل الفكرة قابلةً للتصوُّر نظريًّا. لكنْ من الناحية الواقعيَّة، فإنَّ تحويل هذا الطَّرح إلى مشروعٍ فعليٍّ يواجه عقباتٍ كبيرةً، تبدأ بالاعتبارات السياسيَّة، ولا تنتهي عند التحدِّيات الأمنيَّة والاستثماريَّة. فقبل الحديث عن ممرَّات طاقة مشتركة، تبقى مسألة التَّسوية السياسيَّة في صلب المعادلة، وفي مقدِّمتها القبول الإسرائيلي بمبادرة السَّلام العربيَّة كإطارٍ يضمنُ الحد الأدنى من الاستقرار والشَّرعيَّة لأيِّ تعاونٍ إستراتيجيٍّ. دون ذلك، سيظل أيُّ انخراط خليجيٍّ في مسار كهذا محدودًا ومُحاطًا بتحفُّظات عميقة.
إضافةً إلى ذلك، فإنَّ المسارات البديلة لا تقتصر على الخيار الإسرائيليِّ. فهناك ممرَّات محتملة عبر سوريا ولبنان نحو المتوسط، أو عبر تركيا التي تمتلك شبكة أنابيب متقدِّمة تربط الشَّرق بالأسواق الأوروبيَّة. صحيح أنَّ هذه الخيارات تُعاني من تعقيداتٍ سياسيَّةٍ وأمنيَّةٍ، لكنَّها في بعض السيناريوهات قد تكون أكثرَ قابليَّة للقبول من مسارٍ إسرائيليٍّ مباشرٍ، خصوصًا إذا ارتبطت بتسويات إقليميَّة أوسع.
في المقابل، فإنَّ ما تردَّد عن توجُّه إيران لتقنين رسوم عبور في مضيق هرمز، يُضيف بُعدًا جديدًا للأزمة. فالمضيقُ، الذي كان يُنظر إليه كممرٍّ دوليٍّ مفتوحٍ، قد يتحوَّل إلى أداة ضغط ماليٍّ وسياسيٍّ، وهو ما يدفع دول الخليج إلى إعادة تقييم اعتمادها عليه. غير أنَّ هذا التَّوجُّه لا يعني بالضرورة اندفاعًا نحو البدائل المُثيرة للجدل، بل يسرِّع منطق تنويع المسارات ضمن الإطار السياديِّ، مثل تعزيز استخدام الموانئ القائمة خارج المضيق، وتطوير شبكات الرَّبط الإقليميِّ.
هنا تبرز الإستراتيجيَّة الخليجيَّة الأكثر واقعيَّة، والتي تقومُ على تعظيم الاستفادة من البنية التحتيَّة الحاليَّة. فالسعوديَّةُ تمتلكُ ميزةً إستراتيجيَّةً عبر خط الشَّرق - الغرب، الذي ينقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر؛ ما يتيح تجاوز هرمز جزئيًّا. والإمارات بدورها تعتمدُ على ميناء الفجيرة خارج المضيق، فيما توفِّر عُمان منافذَ مباشِرةً على بحر العرب. هذه الخيارات لا تُلغي أهميَّة هرمز، لكنَّها تقلِّل من كونه نقطة اختناقٍ وحيدة.
وفي هذا السياق، يكتسبُ الممرُّ اللوجستيُّ الجديدُ الذي أطلقته 'موانئ' لربط الشَّارقة بالسعوديَّة أهميَّة خاصَّة. فهو لا يمثِّل بديلًا مباشرًا لمسارات الطَّاقة، لكنَّه يعزِّز مرونة سلاسل الإمداد، ويخفِّف من آثار اضطراب الملاحة. مثل هذه المبادرات تعكسُ تحوُّلًا تدريجيًّا نحو بناء منظومة لوجستيَّة متعدِّدة المسارات، بدل الاعتماد على ممرٍّ واحدٍ عالِي المخاطرِ.
لكنَّ السؤال الأكثر حساسيَّة يبقى: هل وصلت دولُ الخليج إلى مرحلةٍ تُضطرُ فيها للبحثِ الجادِّ عن بدائل خارج هرمز؟ الواقعُ يشيرُ إلى أنَّ هذا التحوُّل بدأ بالفعل، وإنْ كان بشكلٍ تدريجيٍّ ومحسوبٍ. فالدُّول المنتجة لا تسعى إلى الاستغناء الكامل عن المضيق، بقدرِ ما تهدفُ إلى تقليل الاعتماد عليه، وتوزيع المخاطر على مساراتٍ متعدِّدة.
غير أنَّ السيناريو الأكثر تعقيدًا يظهر في حال تعطُّل مضيق هرمز، وباب المندب معًا. عندها، لنْ تكون البدائل الحاليَّة كافيةً لامتصاص الصَّدمة، بل ستتحوَّل الأزمة إلى أزمةِ طاقةٍ عالميَّةٍ، تتجاوز قدرة البنية الإقليميَّة على الاحتواء السَّريع.
صحيح أنَّ هناك حلولًا جزئيَّة، مثل خط 'سوميد' في مصر، لكنَّها تبقى مكمِّلةً لا بديلةً كاملةً.
الخلاصة أنَّ المنطقة تدخل مرحلةَ إعادة تعريف لمفهوم أمن الطَّاقة، حيث لم يعد السُّؤال هو: 'كيف نمرِّر النفط'؟ بل 'كيف نضمنُ ألَّا يتحوَّل أيُّ ممرٍّ إلى أداة ضغطٍ سياسيٍّ'؟. وفي هذا الإطار، تبدو الخيارات الواقعيَّة أقربَ إلى تعزيز المسارات العربيَّة القائمة، وتطوير البنية التحتيَّة الإقليميَّة، بدل القفز إلى مشروعات سياسيَّة غير ناضجة. أمَّا الطرحُ الإسرائيليُّ، فيبقى -حتَّى إشعارٍ آخرَ- فكرةً تعكس حجم القلق أكثر ممَّا تقدِّم حلًّا قابلًا للتَّطبيقِ.
من الناحية التقنيَّة، تمتلكُ إسرائيل بنيةً تحتيَّةً قائمةً، تربط بين البحر الأحمر والمتوسط؛ ما يجعل الفكرة قابلةً للتصوُّر نظريًّا. لكنْ من الناحية الواقعيَّة، فإنَّ تحويل هذا الطَّرح إلى مشروعٍ فعليٍّ يواجه عقباتٍ كبيرةً، تبدأ بالاعتبارات السياسيَّة، ولا تنتهي عند التحدِّيات الأمنيَّة والاستثماريَّة. فقبل الحديث عن ممرَّات طاقة مشتركة، تبقى مسألة التَّسوية السياسيَّة في صلب المعادلة، وفي مقدِّمتها القبول الإسرائيلي بمبادرة السَّلام العربيَّة كإطارٍ يضمنُ الحد الأدنى من الاستقرار والشَّرعيَّة لأيِّ تعاونٍ إستراتيجيٍّ. دون ذلك، سيظل أيُّ انخراط خليجيٍّ في مسار كهذا محدودًا ومُحاطًا بتحفُّظات عميقة.
إضافةً إلى ذلك، فإنَّ المسارات البديلة لا تقتصر على الخيار الإسرائيليِّ. فهناك ممرَّات محتملة عبر سوريا ولبنان نحو المتوسط، أو عبر تركيا التي تمتلك شبكة أنابيب متقدِّمة تربط الشَّرق بالأسواق الأوروبيَّة. صحيح أنَّ هذه الخيارات تُعاني من تعقيداتٍ سياسيَّةٍ وأمنيَّةٍ، لكنَّها في بعض السيناريوهات قد تكون أكثرَ قابليَّة للقبول من مسارٍ إسرائيليٍّ مباشرٍ، خصوصًا إذا ارتبطت بتسويات إقليميَّة أوسع.
في المقابل، فإنَّ ما تردَّد عن توجُّه إيران لتقنين رسوم عبور في مضيق هرمز، يُضيف بُعدًا جديدًا للأزمة. فالمضيقُ، الذي كان يُنظر إليه كممرٍّ دوليٍّ مفتوحٍ، قد يتحوَّل إلى أداة ضغط ماليٍّ وسياسيٍّ، وهو ما يدفع دول الخليج إلى إعادة تقييم اعتمادها عليه. غير أنَّ هذا التَّوجُّه لا يعني بالضرورة اندفاعًا نحو البدائل المُثيرة للجدل، بل يسرِّع منطق تنويع المسارات ضمن الإطار السياديِّ، مثل تعزيز استخدام الموانئ القائمة خارج المضيق، وتطوير شبكات الرَّبط الإقليميِّ.
هنا تبرز الإستراتيجيَّة الخليجيَّة الأكثر واقعيَّة، والتي تقومُ على تعظيم الاستفادة من البنية التحتيَّة الحاليَّة. فالسعوديَّةُ تمتلكُ ميزةً إستراتيجيَّةً عبر خط الشَّرق - الغرب، الذي ينقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر؛ ما يتيح تجاوز هرمز جزئيًّا. والإمارات بدورها تعتمدُ على ميناء الفجيرة خارج المضيق، فيما توفِّر عُمان منافذَ مباشِرةً على بحر العرب. هذه الخيارات لا تُلغي أهميَّة هرمز، لكنَّها تقلِّل من كونه نقطة اختناقٍ وحيدة.
وفي هذا السياق، يكتسبُ الممرُّ اللوجستيُّ الجديدُ الذي أطلقته 'موانئ' لربط الشَّارقة بالسعوديَّة أهميَّة خاصَّة. فهو لا يمثِّل بديلًا مباشرًا لمسارات الطَّاقة، لكنَّه يعزِّز مرونة سلاسل الإمداد، ويخفِّف من آثار اضطراب الملاحة. مثل هذه المبادرات تعكسُ تحوُّلًا تدريجيًّا نحو بناء منظومة لوجستيَّة متعدِّدة المسارات، بدل الاعتماد على ممرٍّ واحدٍ عالِي المخاطرِ.
لكنَّ السؤال الأكثر حساسيَّة يبقى: هل وصلت دولُ الخليج إلى مرحلةٍ تُضطرُ فيها للبحثِ الجادِّ عن بدائل خارج هرمز؟ الواقعُ يشيرُ إلى أنَّ هذا التحوُّل بدأ بالفعل، وإنْ كان بشكلٍ تدريجيٍّ ومحسوبٍ. فالدُّول المنتجة لا تسعى إلى الاستغناء الكامل عن المضيق، بقدرِ ما تهدفُ إلى تقليل الاعتماد عليه، وتوزيع المخاطر على مساراتٍ متعدِّدة.
غير أنَّ السيناريو الأكثر تعقيدًا يظهر في حال تعطُّل مضيق هرمز، وباب المندب معًا. عندها، لنْ تكون البدائل الحاليَّة كافيةً لامتصاص الصَّدمة، بل ستتحوَّل الأزمة إلى أزمةِ طاقةٍ عالميَّةٍ، تتجاوز قدرة البنية الإقليميَّة على الاحتواء السَّريع.
صحيح أنَّ هناك حلولًا جزئيَّة، مثل خط 'سوميد' في مصر، لكنَّها تبقى مكمِّلةً لا بديلةً كاملةً.
الخلاصة أنَّ المنطقة تدخل مرحلةَ إعادة تعريف لمفهوم أمن الطَّاقة، حيث لم يعد السُّؤال هو: 'كيف نمرِّر النفط'؟ بل 'كيف نضمنُ ألَّا يتحوَّل أيُّ ممرٍّ إلى أداة ضغطٍ سياسيٍّ'؟. وفي هذا الإطار، تبدو الخيارات الواقعيَّة أقربَ إلى تعزيز المسارات العربيَّة القائمة، وتطوير البنية التحتيَّة الإقليميَّة، بدل القفز إلى مشروعات سياسيَّة غير ناضجة. أمَّا الطرحُ الإسرائيليُّ، فيبقى -حتَّى إشعارٍ آخرَ- فكرةً تعكس حجم القلق أكثر ممَّا تقدِّم حلًّا قابلًا للتَّطبيقِ.