كتاب
بين التصعيد والردع.. هل تقترب واشنطن وطهران من المواجهة؟
تاريخ النشر: 19 مايو 2026 11:38 KSA
عاد الرئيسُ الأمريكيُّ دونالد ترامب إلى رفع سقف التَّصعيد السياسيِّ والإعلاميِّ تجاه إيران، في مرحلةٍ تبدُو فيها الأزمةُ الأمريكيَّة الإيرانيَّة وقد دخلت واحدةً من أكثر مراحلها حساسيَّة، منذ بدء وقف إطلاق النَّار قبل شهرين. فالتَّصريحاتُ الأخيرةُ الصَّادرةُ من البيت الأبيض، والتَّلميحاتُ المتكرِّرةُ إلى احتمالاتِ العملِ العسكريِّ، تعكسُ بوضوحٍ أنَّ واشنطن لم تعد تنظرُ إلى الهدنة الحاليَّة بوصفها حلًّا دائمًا، بل باعتبارها فرصةً أخيرةً؛ لإجبار طهران على تقديمِ تنازلاتٍ إستراتيجيَّةٍ في الملفِّ النوويِّ.
حديثُ ترامب عن أنَّ الاتِّفاق أصبحَ 'على أجهزةِ الإنعاشِ'، وتحذيره لإيران من المماطلةِ، لا يمكن فصله عن حالة الجُمود التي أصابت المفاوضاتِ خلال الأسابيع الماضية. فالإدارةُ الأمريكيَّة ترَى أنَّ إيرانَ تحاولُ استغلالَ الهدنة؛ لإعادةِ ترتيب أوراقها السياسيَّة والعسكريَّة، بينما تعتقدُ طهران أنَّ واشنطن لا تملكُ استعدادًا فعليًّا لخوض حرب واسعة، قد تهدِّد استقرار المنطقة، وأسواق الطَّاقة العالميَّة.
وفي هذا السياق، جاء نشرُ صورٍ ورسائلَ تُوحي بإمكانيَّة توجيه ضرباتٍ لإيران من 'جميع الجهات'، ضمن إطار الحرب النفسيَّة، والرَّدع السياسيِّ أكثر من كونه إعلانًا مباشرًا عن قرارٍ عسكريٍّ وشيكٍ. فالولاياتُ المتَّحدة تدركُ أنَّ مجرَّد التلويح بالقوَّة، يرفعُ مستوى الضغط على القيادة الإيرانيَّة، ويزيدُ من القلق الداخليِّ والخارجيِّ بشأن مستقبل النِّظام الإيرانيِّ، وقدرته على تحمُّل مواجهةٍ مفتوحةٍ.
لكنْ رغم ذلك، لا يمكنُ التَّقليل من خطورة المَشهد الحاليِّ. فالمنطقةُ تقفُ فعلًا على حافَّة مرحلة شديدة الحساسيَّة؛ لأنَّ التَّصعيد المُتبادل قد يخرجُ عن السَّيطرة؛ بسبب خطأ ميدانيٍّ، أو هجومٍ غير محسوبٍ على منشآت الطَّاقة، أو الملاحة البحريَّة، أو القواعد العسكريَّة. وهنا تكمنُ خطورة الأزمات الطويلة، حيث يصبحُ الانتقالُ من الضغط السياسيِّ إلى الاشتباكِ العسكريِّ أكثر احتمالًا مع مرور الوقت.
جوهرُ الخلاف لا يزالُ يتمحور حول البرنامج النوويِّ الإيرانيِّ، لكنَّ الأزمة تجاوزت منذ فترة طويلة حدود الملفِّ النوويِّ التقليديِّ، وأصبحت مرتبطةً بموازين القوى الإقليميَّة، ومستقبل النفوذ الإيرانيِّ في الشرق الأوسط. فواشنطن لا تريد فقط وقف التَّخصيب، بل تسعَى إلى إبعاد إيران عمليًّا عن 'العتبة النوويَّة'، عبر نقل مخزون اليورانيوم عالي التَّخصيب إلى الخارج، أو إخضاعه لرقابةٍ دوليَّةٍ صارمةٍ، إلى جانب فرض قيودٍ طويلة الأمد على عمليَّات التَّخصيب والتَّطوير النوويِّ.
ومن وجهة النَّظر الأمريكيَّة، فإنَّ أيَّ اتِّفاق لا يضمنُ إزالة القدرة الإيرانيَّة على الاقتراب السَّريع من إنتاج سلاح نوويٍّ سيُعتبر اتِّفاقًا ناقصًا، وقابلًا للانهيار مستقبلًا. أمَّا إيرانُ، فترى أنَّ هذه المطالب تمسًّ سيادتها الوطنيَّة وحقَّها في امتلاك برنامج نوويٍّ سلميٍّ، كما تعتبر أنَّ تقديم تنازلاتٍ واسعةٍ تحت الضغط العسكريِّ والعقوباتِ سيُفسَّر داخليًّا باعتباره خضوعًا إستراتيجيًّا للولايات المتَّحدة.
ولهذا ترفضُ طهران -حتَّى الآنَ- الاستجابة الكاملة للشروطِ الأمريكيَّةِ؛ لأنَّها تدركُ أنَّ الملفَّ النوويَّ لم يعد مجرَّد مشروع تقنيٍّ، بل أصبح جزءًا من معادلة الرَّدع والهيبة السياسيَّة للنِّظام الإيرانيِّ. كما أنَّ القيادة الإيرانيَّة تريدُ مقابلًا واضحًا لأيِّ تنازل، يشمل رفع العقوبات، وضمانات أمنيَّة، وتخفيف الضغوط الاقتصاديَّة، لا مجرَّد وعود مؤقَّتة يمكن التَّراجع عنها لاحقًا.
وفي ظلِّ هذا التَّعقيد، برزت التحرُّكات الدبلوماسيَّة الإقليميَّة، خصوصًا الجهود الباكستانيَّة، كمحاولة لمنع انهيار الهدنة، واحتواء التَّصعيد. وتكمن أهميَّة إسلام آباد في أنَّها تحتفظُ بعلاقات مع الطَّرفين، وتستطيع نقل الرسائل، وفتح قنوات اتِّصال غير مباشرة، وتوفير مخارج سياسيَّة تحفظُ ماء الوجه للطَّرفين.
لكنْ واقعيًّا، تبقى قدرةُ أيِّ وساطة إقليميَّة محدودةً، ما لم تتوفَّر إرادة سياسيَّة حقيقيَّة لدى واشنطن وطهران؛ لتقديم تنازلاتٍ متبادلةٍ. فالوسطاءُ يستطيعُونَ تقريب وجهات النَّظر، وتخفيف سوء الفهم، لكنَّهم لا يستطيعُونَ فرض تسويةٍ على طرفَين لا يزال كلٌّ منهما يعتقدُ أنَّ الوقت يعملُ لصالحه.
وفي المحصلة، يبدُو أنَّ المنطقة دخلت مرحلة 'الرَّدع المتبادل تحت الضغط'، حيث يرفعُ كلُّ طرفٍ سقفَ تهديداتِهِ؛ أملًا في تحسين شروطه التفاوضيَّة دونَ الانزلاق إلى حربٍ شاملةٍ. إلَّا أنَّ استمرار هذا الوضع لفترةٍ طويلةٍ يحملُ مخاطر كبيرة؛ لأنَّ الشرق الأوسط لم يعد يحتملُ أزمةً مفتوحةً جديدةً تهدِّد أمن الطاقة العالميَّة، وحركة الملاحة، والتَّوازنات الإقليميَّة.
ولهذا، فإنَّ مستقبل الأزمة سيتوقَّف على قدرة الطَّرفين على الانتقال من منطقِ كسرِ الإرادات، إلى منطقِ التسوياتِ الواقعيَّة، قبل أنْ يتحوَّل التَّصعيدُ الإعلاميُّ والسياسيُّ إلى مواجهةٍ يصعبُ احتواؤهَا.
حديثُ ترامب عن أنَّ الاتِّفاق أصبحَ 'على أجهزةِ الإنعاشِ'، وتحذيره لإيران من المماطلةِ، لا يمكن فصله عن حالة الجُمود التي أصابت المفاوضاتِ خلال الأسابيع الماضية. فالإدارةُ الأمريكيَّة ترَى أنَّ إيرانَ تحاولُ استغلالَ الهدنة؛ لإعادةِ ترتيب أوراقها السياسيَّة والعسكريَّة، بينما تعتقدُ طهران أنَّ واشنطن لا تملكُ استعدادًا فعليًّا لخوض حرب واسعة، قد تهدِّد استقرار المنطقة، وأسواق الطَّاقة العالميَّة.
وفي هذا السياق، جاء نشرُ صورٍ ورسائلَ تُوحي بإمكانيَّة توجيه ضرباتٍ لإيران من 'جميع الجهات'، ضمن إطار الحرب النفسيَّة، والرَّدع السياسيِّ أكثر من كونه إعلانًا مباشرًا عن قرارٍ عسكريٍّ وشيكٍ. فالولاياتُ المتَّحدة تدركُ أنَّ مجرَّد التلويح بالقوَّة، يرفعُ مستوى الضغط على القيادة الإيرانيَّة، ويزيدُ من القلق الداخليِّ والخارجيِّ بشأن مستقبل النِّظام الإيرانيِّ، وقدرته على تحمُّل مواجهةٍ مفتوحةٍ.
لكنْ رغم ذلك، لا يمكنُ التَّقليل من خطورة المَشهد الحاليِّ. فالمنطقةُ تقفُ فعلًا على حافَّة مرحلة شديدة الحساسيَّة؛ لأنَّ التَّصعيد المُتبادل قد يخرجُ عن السَّيطرة؛ بسبب خطأ ميدانيٍّ، أو هجومٍ غير محسوبٍ على منشآت الطَّاقة، أو الملاحة البحريَّة، أو القواعد العسكريَّة. وهنا تكمنُ خطورة الأزمات الطويلة، حيث يصبحُ الانتقالُ من الضغط السياسيِّ إلى الاشتباكِ العسكريِّ أكثر احتمالًا مع مرور الوقت.
جوهرُ الخلاف لا يزالُ يتمحور حول البرنامج النوويِّ الإيرانيِّ، لكنَّ الأزمة تجاوزت منذ فترة طويلة حدود الملفِّ النوويِّ التقليديِّ، وأصبحت مرتبطةً بموازين القوى الإقليميَّة، ومستقبل النفوذ الإيرانيِّ في الشرق الأوسط. فواشنطن لا تريد فقط وقف التَّخصيب، بل تسعَى إلى إبعاد إيران عمليًّا عن 'العتبة النوويَّة'، عبر نقل مخزون اليورانيوم عالي التَّخصيب إلى الخارج، أو إخضاعه لرقابةٍ دوليَّةٍ صارمةٍ، إلى جانب فرض قيودٍ طويلة الأمد على عمليَّات التَّخصيب والتَّطوير النوويِّ.
ومن وجهة النَّظر الأمريكيَّة، فإنَّ أيَّ اتِّفاق لا يضمنُ إزالة القدرة الإيرانيَّة على الاقتراب السَّريع من إنتاج سلاح نوويٍّ سيُعتبر اتِّفاقًا ناقصًا، وقابلًا للانهيار مستقبلًا. أمَّا إيرانُ، فترى أنَّ هذه المطالب تمسًّ سيادتها الوطنيَّة وحقَّها في امتلاك برنامج نوويٍّ سلميٍّ، كما تعتبر أنَّ تقديم تنازلاتٍ واسعةٍ تحت الضغط العسكريِّ والعقوباتِ سيُفسَّر داخليًّا باعتباره خضوعًا إستراتيجيًّا للولايات المتَّحدة.
ولهذا ترفضُ طهران -حتَّى الآنَ- الاستجابة الكاملة للشروطِ الأمريكيَّةِ؛ لأنَّها تدركُ أنَّ الملفَّ النوويَّ لم يعد مجرَّد مشروع تقنيٍّ، بل أصبح جزءًا من معادلة الرَّدع والهيبة السياسيَّة للنِّظام الإيرانيِّ. كما أنَّ القيادة الإيرانيَّة تريدُ مقابلًا واضحًا لأيِّ تنازل، يشمل رفع العقوبات، وضمانات أمنيَّة، وتخفيف الضغوط الاقتصاديَّة، لا مجرَّد وعود مؤقَّتة يمكن التَّراجع عنها لاحقًا.
وفي ظلِّ هذا التَّعقيد، برزت التحرُّكات الدبلوماسيَّة الإقليميَّة، خصوصًا الجهود الباكستانيَّة، كمحاولة لمنع انهيار الهدنة، واحتواء التَّصعيد. وتكمن أهميَّة إسلام آباد في أنَّها تحتفظُ بعلاقات مع الطَّرفين، وتستطيع نقل الرسائل، وفتح قنوات اتِّصال غير مباشرة، وتوفير مخارج سياسيَّة تحفظُ ماء الوجه للطَّرفين.
لكنْ واقعيًّا، تبقى قدرةُ أيِّ وساطة إقليميَّة محدودةً، ما لم تتوفَّر إرادة سياسيَّة حقيقيَّة لدى واشنطن وطهران؛ لتقديم تنازلاتٍ متبادلةٍ. فالوسطاءُ يستطيعُونَ تقريب وجهات النَّظر، وتخفيف سوء الفهم، لكنَّهم لا يستطيعُونَ فرض تسويةٍ على طرفَين لا يزال كلٌّ منهما يعتقدُ أنَّ الوقت يعملُ لصالحه.
وفي المحصلة، يبدُو أنَّ المنطقة دخلت مرحلة 'الرَّدع المتبادل تحت الضغط'، حيث يرفعُ كلُّ طرفٍ سقفَ تهديداتِهِ؛ أملًا في تحسين شروطه التفاوضيَّة دونَ الانزلاق إلى حربٍ شاملةٍ. إلَّا أنَّ استمرار هذا الوضع لفترةٍ طويلةٍ يحملُ مخاطر كبيرة؛ لأنَّ الشرق الأوسط لم يعد يحتملُ أزمةً مفتوحةً جديدةً تهدِّد أمن الطاقة العالميَّة، وحركة الملاحة، والتَّوازنات الإقليميَّة.
ولهذا، فإنَّ مستقبل الأزمة سيتوقَّف على قدرة الطَّرفين على الانتقال من منطقِ كسرِ الإرادات، إلى منطقِ التسوياتِ الواقعيَّة، قبل أنْ يتحوَّل التَّصعيدُ الإعلاميُّ والسياسيُّ إلى مواجهةٍ يصعبُ احتواؤهَا.