ثقافة
من اليابان إلى المملكة.. "الهايكو" يكتب حضوره في المشهد الثقافي السعودي
تاريخ النشر: 06 يوليو 2026 23:03 KSA
شعر 'الهايكو' أحد أكثر الأجناس الشعرية تميزًا واختزالًا للمعنى، فهذا الفن الأدبي القادم من اليابان يعتمد على التقاط لحظة إنسانية أو مشهد طبيعي عابر وصياغته في كلمات قليلة تحمل دلالات عميقة وصورًا مكثفة، وقد تجاوز 'الهايكو' حدود موطنه الأصلي اليابان ليجد له حضورًا واسعًا في الأدب العالمي والعربي، مستقطبًا الشعراء والمهتمين بفنون الكتابة الحديثة لما يمتاز به من بساطة ظاهرة وعمق فكري وجمالي.
وفي المملكة العربية السعودية شهد شعر الهايكو خلال السنوات الأخيرة حضورًا متناميًا في المشهد الثقافي والأدبي مدعومًا بالحراك الثقافي الذي تعيشه المملكة وتنوّع المنصات الأدبية التي أتاحت للأصوات الإبداعية الجديدة فرصة التجريب والانفتاح على مختلف المدارس الشعرية العالمية، ليصبح 'الهايكو' حاضرًا في الأمسيات الأدبية والملتقيات الثقافية، كما برز عدد من الشعراء السعوديين الذين قدموا تجارب لافتة في هذا اللون الشعري مستلهمين البيئة المحلية والطبيعة والتراث السعودي بروح الهايكو القائمة على الاختزال والدهشة والتأمل.
ومع اتساع الاهتمام بهذا الفن لم يعد الهايكو مجرد تجربة أدبية عابرة، بل تحول إلى مساحة إبداعية تسهم في إثراء المشهد الثقافي السعودي وتعكس قدرة الأدب المحلي على التفاعل مع الفنون العالمية وإعادة تقديمها برؤية تنطلق من الهوية والثقافة الوطنية.
'صحيفة المدينة' التقت بعدد من الشعراء والأدباء للحديث عن هذا الشعر الحديث.
د. أحمد القيسي: 'الهايكو' في المملكة لم يكن حديث عهد
بداية تحدث الدكتور أحمد يحيى القيسي رئيس نادي الهايكو السعودي قائلًا: الهايكو هو أقصر النصوص الشعرية، نص يحفّز المبدع والمتلقي على التماهي مع محيطهما، وتأمل أبسط المشاهد في حياتنا اليومية، والتعبير عنها بلغة بسيطة مباشرة خالية من الزخارف البلاغية، هو أن ترسم بالكلمات التفاصيل الصغيرة التي لا يلتفت إليها أحد، لندهش القارئ.. هو كل ذلك وأكثر. وأضاف: لا علاقة للهايكو بقصيدة النثر، فهذه الأخيرة غارقة في الذاتية التي يرفضها الهايكو..
الهايكو شكل تعبيري مستقل بخصائصه ومقوماته، لا يندرج تحت نوع شعري معين، و كثيرًا ما يقع الخلط بينه وبين الأجناس الأدبية الوجيزة كالومضة والقصة القصيرة جدًا، خاصة ممن لم يتعرّف على سماته، وشتان ما بينه وبينهما. لكن الوعي بهذا النص في الآونة الأخيرة بدأ يتشكل وينمو، ولعلنا في قادم الأيام نصل إلى اللحظة التي يميز فيها كل مهتم بالأدب بين الهايكو وسائر الأشكال.
وحول هوية الهايكو قال: لابد أن ندرك أولًا أن الهايكو في المملكة العربية السعودية ليس حديث عهد، فعمره تجاوز الثلاثين عامًا، وإن لم يدرك المتلقي ذلك، فالأديبة الدكتورة خيرية السقاف بدأت تجربتها الناضجة في الهايكو منذ بداية التسعينات الميلادية، وقد وثقت هذه التجربة في كتابي 'خيرية السقاف رائدة فن الهايكو في الخليج العربي'، في الوقت الذي كانت فيه معظم التجارب العربية مازالت تجرب، وترتبك..
ومما لا شك فيه أن الهايكو في المملكة خطا خطوات واثقة، فانطلاقته كانت خالية من التشوهات والأخطاء التي لحقت بعض التجارب الأخرى.
ما يميز كتّاب الهايكو في المملكة أن كثيرًا منهم نقلوا لنا مشاهد من بيئتهم، ومن ثقافتهم، ومن محيطهم الصغير والكبير، وهذه خطوة مهمة، إذ تخلصوا مبكرًا من تأثير النصوص المترجمة التي فهموا طبيعة الهايكو عنها. فأصبحنا نقرأ عن الجمل والصحراء والخيمة والنخلة والصقر والسدرة والنبق والكادي والرحى وغيرها الكثير من الصور النابعة من ثقافة كل إقليم داخل هذه البلاد.
وعن الدور الإعلامي أفاد د. القيسي: في ظني أن الجهات الإعلامية تفاعلت تفاعلا جيدًا مع الموضوع، فالصحف فتحت لنا صفحاتها لنشر المقالات، وتغطية الفعاليات الثقافية، والقناة الثقافية استضافتني للحديث عنه، كما أن الشركاء الأدبيين في مختلف مناطق المملكة قدموا لي الدعوات للتعريف بهذا الفن حضوريا وافتراضيًا، وإن كان من دليل على ذلك فهو هذا الحوار الموسع الذي تجريه معي صحيفة عريقة مثل صحيفة المدينة..
لن أتهم أحدًا بالتقصير، فكل أدى دوره كما ينبغي، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على وعي عميق بأهمية الفنون العالمية وانفتاحنا عليها. فتعاطينا مع هذه الفنون يؤكد قدرة اللغة على الاستيعاب والمواكبة.
كما أوضح د. القيسي أن الطفل العربي يفتقد في قراءته لشيئين:
الأول- إلى نص وجيز، لا يتطلب منه تخصيص وقت طويل للقراءة، فكل ما يُعرض عليه الآن نصوص طويلة تجبره على التهيؤ للقراءة.
الثاني- إلى نص ينمي لديه ملكة ما زالت كامنة، وهي ملكة التأمل التي لا تمنحه إياها القصة والشعر، وهذا ليس هجومًا على هذين الأخيرين، فهما ينميان ملكات أخرى.
فشلت التجارب العربية السابقة في تقديم نص هايكو الطفل بسبب ضعف المعرفة بأبجديات الكتابة الطفل، إذ كان الطفل في النص يحضر بصفته 'موضوعا' في نص موجه للكبار.
مشروع الهايكو الموجه للطفل في المملكة انطلق انطلاقة منظمة بورشة عمل استمرت لأشهر، لم أكن لوحدي مشرفًا، بل رافقتني في هذه الرحلة إحدى واجهات أدب الطفل عربيًا وهي الدكتورة وفاء السبيل، وبالتعاضد أفرزت الورشة نصوصًا كثيرة بأقلام عدد من المبدعين والمبدعات، وستكون المخرجات سلسلة من الكتب تحوي نصوص هايكو متقنة جمهورها الأطفال، إذ تخاطب تفكيرهم قبل كل شيء.
د. طلال الثقفي: رؤية ذات معنى وعمق فلسفي
كما تحدث الدكتور طلال الثقفي قائلًا: 'الهايكو' عدسة مكثفة تلتقط جوهر اللحظة العابرة، وتحيل المألوف إلى اللامألوف، ورغم بساطته شكليا، إلا أنه يحمل رؤية ذات معنى وعمق فلسفي.
وقد خرج 'الهايكو' من عباءة الثقافة اليابانية ليتطور عبر أربعة أعمدة كلاسيكية كبرى، قبل أن يتحول إلى ظاهرة أدبية عالمية عابرة للقارات.
فبدأ مع ماتسو باشو (يعد الأب الروحي للهايكو) في القرن السابع عشر الميلادي، وفيها ارتبط بفلسفة الزن البوذية. ثم تأثر بمدرسة التصوير البصري في القرن الثامن عشر الميلادي مع يوسا بوسون (نظرًا لخلفيته الفنية كرسام)، ليضفي عليه (إيسا) بُعدًا إنسانيًا من خلال معاناة الكائنات الصغيرة (كالطيور والحشرات) وتجسيدها في التجربة الحياتية الشخصية.
ثم أتى عصر التحديث في أواخر القرن التاسع عشر مع ماساواكا شيكي ودخل مفهوم الشاسي (الرسم من الطبيعة/ الواقعية الفوتوغرافية)، ليمهد الطريق لعصرنة وعولمة هذا الفن. وفي مطلع القرن العشرين، هاجر الهايكو إلى الغرب من خلال 'المدرسة التصويرية' في الأدب الإنجلو-أمريكي، ومن الغرب واصل هجرته إلى العرب.
وعن محدودية الدراسات النقدية حول الهايكو العربي، قال الثقفي: رغم ما تزخر به الساحة الأدبية من طفرة إنتاجية لافتة في كتابة الهايكو، بدعم جمعيات ورابطات الهايكو المنتشرة في الوطن العربي؛ إلا أن المواكبة النقدية ما زالت متأخرة بخطوات، يعود ذلك إلى الثقافة الأدبية السائدة والذائقة الفنية المتجذرة المبنية على 'القصيدة الطويلة والممتدة' ذات النفس الغنائي (سواء العمودي أو التفعيلة). هذا الإرث يجعل بعض النقاد يتعاملون مع الهايكو كـمستورد ثقافي غريب وفن وافد على ثقافتنا فيرفضونه، وبعضهم يحاولون مقاربته بالفنون العربية الوجيزة كالشذرة والومضة والتوقيعة والابيجراما... إلخ فلا يعطونه حقه النقدي، ولذلك نرى الدراسات النقدية العربية مازالت تتراوح ما بين تبيئة الهايكو عربيًا وتجنيسه فنيًا، ولم تلتفت إلى صياغة أصوله وأدواته الفنية وبنيته وفلسفته وجمالياته وقراءته إلا نزر قليل من الدراسات الجادة.
كما أن غياب الحاضنة الأكاديمية له قلل من وجود دراسات مؤسسية جادة تقوم على الموضوعية والعلمية وتسبر غور هذا الفن، فما نجده هو اجتهادات شخصية من متخصّصين وهواة ذات سمة انطباعية لاترقى إلى النقد المنهجي.
وعن أكثر المشاهد الطبيعية إلهامًا لشعراء الهايكو، أوضح د. الثقفي: تُعدّ الطبيعة المصدر الأول والأكثر ثراء لشعراء الهايكو؛ فلا تحضر في الهايكو خلفية جغرافية أو مسرح أحداث أو تأثيث مكان؛ بل مرآة وجودية للذات الإنسانية، تكشف جمال العالم في بساطته، وترى المألوف لا مألوفًا، ومن أكثر المشاهد التي استبدت بمخيلة الشعراء عالميًا، التحولات الفصلية (فصول السنة) ومظاهر الزوال (الخريف مثلا)، والكائنات الهامشية والدقيقة كرصد حركة الطيور والفراشات والضفادع ... إلخ، ولا تكمن أهمية هذه المشاهد في وصفها الخارجي فحسب، بل في قدرتها على إثارة معنى إنساني عميق من خلال صورة مقتضبة، فوردة متفتحة قد ترمز إلى الميلاد، وورقة ساقطة إلى الفناء، وصوت طائر عند الفجر إلى الأمل والتجدد. وهكذا تتحول الطبيعة في الهايكو من مجرد منظر مرئي مألوف إلى لغة رمزية تختزل علاقة الإنسان بالزمن والحياة والكون، ويرى من خلالها الشاعر(الهايكست/ الهايجن) العالم.
محمد آل فاضل: الهايكو السعودي في تطور ملحوظ
وتحدث الأستاذ محمد آل فاضل قائلًا: الهايكو نص اللحظة والمكان؛فالهايكو كاميرا يابانية تلتقط الصور على شكل نصوص موجزة أينما كان الإنسان في الجبال أو الصحراء أو حتى في الجزر النائية.
كاتب الهايكو عندنا قد يكتب نصوصًا من الصحراء كما كتب عبدالله العنزي:
بصمت
يبتلع الكثيبُ
قدمي
أو عن الأزهار المنتشرة في بيئتنا:
ما أنتِ
لولا الشذى
يا زهرة الكادي؟!
د. أحمد القيسي
ولي نص عن شجرة السدر:
شجرة السدر العملاقة
تحول المطر الغزير
لوابلٍ من النبق
ونص آخر:
ظهيرةٌ منزلية
تُلطّف عناءَ النهار
برودةُ البيتِ الطيني
اليابانيون يكتبون عن جبل فوجي والساكورا ونحن نكتب عن السدر والنخيل والخزامى.
وطالما أن هناك قالب شعري جديد خارج نطاق التقليد فانه بالطبع سيواجه مقاومة. وأضاف آل فاضل: طالما هناك قالب شعري جديد خارج نطاق التقليد فانه بالطبع سيواجه مقاومة ككل الأشكال الأدبية الجديدة التي ظهرت كقصيدة النثر وقبلها شعر التفعيلة، هذا شيء طبيعي وهو يؤخر التقدم ويحد من وصول هذا الفن لشريحة أكبر من الجمهور.
كما أوضح أن الهايكو السعودي في تطور ملحوظ خصوصًا مع مجهودات نادي الهايكو السعودي والعطاء المتفرد والغزير للدكتور أحمد القيسي، ودعم كبار الأدباء والنقاد لهذا الفن ومنهم الدكتور عبدالله الغذامي.
وعن دور الجمعيات والمؤسسات الأدبية قال: تقوم بدور فعال ونطمح إلى المزيد من اللقاءات للحديث عن الهايكو ونقده. أما الجامعات فهي تدرك أهمية الانفتاح على الآداب الجديدة ومنها الأدب الياباني؛والاطلاع على خصائص هذا الأدب ومعايير الجمال فيه؛ تمامًا مثلما نطلع على الأدب اللاتيني وغيره، وقد شاهدت مؤخرًا رسائل وأبحاث جامعية عن هذا الفن. إن وجود الهايكو كمادة في إحدى كليات الآداب سيحقق ازدهارًا كبيرًا لهذا الجنس الأدبي.
وعن هوية الهايكو قال: أظن أنه قطع شوطًا لا بأس به في تكوين هوية خاصة تنسجم مع أسلوب الهايكو العالمي وتحتفظ بالهوية النابعة من البيئة والثقافة، لكن عدد المشتغلين في هذا الحقل ما زال دون المأمول، وبالمناسبة هناك شعراء معروفين شاركوا في كتابة هذا النص ونقده ومنهم الشاعر علي عكور والشاعر حيدر العبدالله.
جميلة الخميس: التجربة السعودية من أنجح التجارب
كذلك تحدثت الشاعرة والأديبة جميلة الخميس قائلة: قبل الحديث عن العناصر الأساسية التي يجب توافرها في نص الهايكو لابد أن نعرف ما هو الهايكو؟.. هو أقصر نص شعري، يعتمد على المشاهد التي يلتقطها الأديب من الطبيعة أو الحياة، ويعبّر عنها من خلال رؤيته الخاصة في أقل قدر من الكلمات.
والهايكو الكلاسيكي الذي يكتب في اليابان يتألف من سبعة عشر مقطعًا صوتيًا لكنه في طوره العالمي تخلى عن المقاطع الصوتية، واحتفظ بسماته التي تنتظم في ثلاثة أسطر، على النحو الآتي:
السطر الأول- الكيغو الذي يعبّر عن الموسمية أو (المكان).
السطر الثاني- المشهد الملتقط من الطبيعة أو مواقف الحياة اليومية.
السطر الثالث- المترفة التي تكسر أفق التوقع.
وعن التجربة السعودية قالت الشاعرة جميلة الخميس: أراها من أنجح التجارب؛ لأن أغلب من كتبوا الهايكو كتبوه عن معرفة وافية بخصائصه وعناصره، بداية برائدته في السعودية الأديبة الدكتورة خيرية السقاف التي تعتبر تجربة ملهمة في هذا المجال، كذلك الدكتور أحمد القيسي رئيس نادي الهايكو السعودي الذي قام بدور كبير في نشر الوعي من خلال إقامة الفعاليات الثقافية في مختلف مناطق المملكة للتعريف بهذا الفن، فكانت محاضراته أشبه ما تكون بورش العمل المتنقلة، وبأسلوب يجعل فهمه في متناول المبدع والقارئ والمهتم، وكان له حضور في الملتقيات العربية والعالمية، وآخرها المشاركة بفعالية ثقافية على هامش معرض بوينس آيرس للكتاب ٢٠٢٥م.
المشهد السعودي مليء بكتّاب الهايكو المتميزين، منهم من عُرف بالهايكو وحده، مثل محمد آل فاضل وعبدالله العنزي، ومنهم أسماء شعرية معروفة كتبت في شكل شعري آخر أو المسرحية أو القصة حسن القرني وسهام العبودي ومحمد خضر وعواطف سالم وحيدر العبدالله.. أضف إلى ذلك أننا في الساحة الثقافية السعودية نتفاجأ بين حين وآخر بظهور مبدع جديد يكتب العائلة بطريقة ملفتة، وخاصة مع تجربة هايكو الطفل الذي فاجأنا بأسماء مبدعة مثل ندى العمراني، وسندس الشريف، والعنود يحيى، وغيرهم.
وعن معاناة الهايكو من سوء فهم لدى بعض القراء والنقاد، قالت الخميس: بلاشك أن أي جنس أدبي جديد يتجلى في الساحة الثقافية يُجَابه بالنقد، وخاصة من قبل المدافعين عن الأصالة قراء ونقاد، بسبب عدم فهمهم لهذا الجنس الأدبي والاطلاع الكافي عليه، وكذلك بدعوى تهديد الهوية...
الهايكو شكل تعبيري مغاير في تعاطيه الفكرة، فهو يتجنب الخيال والمجاز والأنسنة التي اعتادت عليها الذائقة العربية، وهذا هو سر الصدام.. لكننا لابد أن نواكب الأدب العالمي، ونثبت للجميع أن لغتنا قادرة على استجلاب كل جديد، والإبداع فيه.
وفي المملكة العربية السعودية شهد شعر الهايكو خلال السنوات الأخيرة حضورًا متناميًا في المشهد الثقافي والأدبي مدعومًا بالحراك الثقافي الذي تعيشه المملكة وتنوّع المنصات الأدبية التي أتاحت للأصوات الإبداعية الجديدة فرصة التجريب والانفتاح على مختلف المدارس الشعرية العالمية، ليصبح 'الهايكو' حاضرًا في الأمسيات الأدبية والملتقيات الثقافية، كما برز عدد من الشعراء السعوديين الذين قدموا تجارب لافتة في هذا اللون الشعري مستلهمين البيئة المحلية والطبيعة والتراث السعودي بروح الهايكو القائمة على الاختزال والدهشة والتأمل.
ومع اتساع الاهتمام بهذا الفن لم يعد الهايكو مجرد تجربة أدبية عابرة، بل تحول إلى مساحة إبداعية تسهم في إثراء المشهد الثقافي السعودي وتعكس قدرة الأدب المحلي على التفاعل مع الفنون العالمية وإعادة تقديمها برؤية تنطلق من الهوية والثقافة الوطنية.
'صحيفة المدينة' التقت بعدد من الشعراء والأدباء للحديث عن هذا الشعر الحديث.
د. أحمد القيسي: 'الهايكو' في المملكة لم يكن حديث عهد
بداية تحدث الدكتور أحمد يحيى القيسي رئيس نادي الهايكو السعودي قائلًا: الهايكو هو أقصر النصوص الشعرية، نص يحفّز المبدع والمتلقي على التماهي مع محيطهما، وتأمل أبسط المشاهد في حياتنا اليومية، والتعبير عنها بلغة بسيطة مباشرة خالية من الزخارف البلاغية، هو أن ترسم بالكلمات التفاصيل الصغيرة التي لا يلتفت إليها أحد، لندهش القارئ.. هو كل ذلك وأكثر. وأضاف: لا علاقة للهايكو بقصيدة النثر، فهذه الأخيرة غارقة في الذاتية التي يرفضها الهايكو..
الهايكو شكل تعبيري مستقل بخصائصه ومقوماته، لا يندرج تحت نوع شعري معين، و كثيرًا ما يقع الخلط بينه وبين الأجناس الأدبية الوجيزة كالومضة والقصة القصيرة جدًا، خاصة ممن لم يتعرّف على سماته، وشتان ما بينه وبينهما. لكن الوعي بهذا النص في الآونة الأخيرة بدأ يتشكل وينمو، ولعلنا في قادم الأيام نصل إلى اللحظة التي يميز فيها كل مهتم بالأدب بين الهايكو وسائر الأشكال.
وحول هوية الهايكو قال: لابد أن ندرك أولًا أن الهايكو في المملكة العربية السعودية ليس حديث عهد، فعمره تجاوز الثلاثين عامًا، وإن لم يدرك المتلقي ذلك، فالأديبة الدكتورة خيرية السقاف بدأت تجربتها الناضجة في الهايكو منذ بداية التسعينات الميلادية، وقد وثقت هذه التجربة في كتابي 'خيرية السقاف رائدة فن الهايكو في الخليج العربي'، في الوقت الذي كانت فيه معظم التجارب العربية مازالت تجرب، وترتبك..
ومما لا شك فيه أن الهايكو في المملكة خطا خطوات واثقة، فانطلاقته كانت خالية من التشوهات والأخطاء التي لحقت بعض التجارب الأخرى.
ما يميز كتّاب الهايكو في المملكة أن كثيرًا منهم نقلوا لنا مشاهد من بيئتهم، ومن ثقافتهم، ومن محيطهم الصغير والكبير، وهذه خطوة مهمة، إذ تخلصوا مبكرًا من تأثير النصوص المترجمة التي فهموا طبيعة الهايكو عنها. فأصبحنا نقرأ عن الجمل والصحراء والخيمة والنخلة والصقر والسدرة والنبق والكادي والرحى وغيرها الكثير من الصور النابعة من ثقافة كل إقليم داخل هذه البلاد.
وعن الدور الإعلامي أفاد د. القيسي: في ظني أن الجهات الإعلامية تفاعلت تفاعلا جيدًا مع الموضوع، فالصحف فتحت لنا صفحاتها لنشر المقالات، وتغطية الفعاليات الثقافية، والقناة الثقافية استضافتني للحديث عنه، كما أن الشركاء الأدبيين في مختلف مناطق المملكة قدموا لي الدعوات للتعريف بهذا الفن حضوريا وافتراضيًا، وإن كان من دليل على ذلك فهو هذا الحوار الموسع الذي تجريه معي صحيفة عريقة مثل صحيفة المدينة..
لن أتهم أحدًا بالتقصير، فكل أدى دوره كما ينبغي، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على وعي عميق بأهمية الفنون العالمية وانفتاحنا عليها. فتعاطينا مع هذه الفنون يؤكد قدرة اللغة على الاستيعاب والمواكبة.
كما أوضح د. القيسي أن الطفل العربي يفتقد في قراءته لشيئين:
الأول- إلى نص وجيز، لا يتطلب منه تخصيص وقت طويل للقراءة، فكل ما يُعرض عليه الآن نصوص طويلة تجبره على التهيؤ للقراءة.
الثاني- إلى نص ينمي لديه ملكة ما زالت كامنة، وهي ملكة التأمل التي لا تمنحه إياها القصة والشعر، وهذا ليس هجومًا على هذين الأخيرين، فهما ينميان ملكات أخرى.
فشلت التجارب العربية السابقة في تقديم نص هايكو الطفل بسبب ضعف المعرفة بأبجديات الكتابة الطفل، إذ كان الطفل في النص يحضر بصفته 'موضوعا' في نص موجه للكبار.
مشروع الهايكو الموجه للطفل في المملكة انطلق انطلاقة منظمة بورشة عمل استمرت لأشهر، لم أكن لوحدي مشرفًا، بل رافقتني في هذه الرحلة إحدى واجهات أدب الطفل عربيًا وهي الدكتورة وفاء السبيل، وبالتعاضد أفرزت الورشة نصوصًا كثيرة بأقلام عدد من المبدعين والمبدعات، وستكون المخرجات سلسلة من الكتب تحوي نصوص هايكو متقنة جمهورها الأطفال، إذ تخاطب تفكيرهم قبل كل شيء.
د. طلال الثقفي: رؤية ذات معنى وعمق فلسفي
كما تحدث الدكتور طلال الثقفي قائلًا: 'الهايكو' عدسة مكثفة تلتقط جوهر اللحظة العابرة، وتحيل المألوف إلى اللامألوف، ورغم بساطته شكليا، إلا أنه يحمل رؤية ذات معنى وعمق فلسفي.
وقد خرج 'الهايكو' من عباءة الثقافة اليابانية ليتطور عبر أربعة أعمدة كلاسيكية كبرى، قبل أن يتحول إلى ظاهرة أدبية عالمية عابرة للقارات.
فبدأ مع ماتسو باشو (يعد الأب الروحي للهايكو) في القرن السابع عشر الميلادي، وفيها ارتبط بفلسفة الزن البوذية. ثم تأثر بمدرسة التصوير البصري في القرن الثامن عشر الميلادي مع يوسا بوسون (نظرًا لخلفيته الفنية كرسام)، ليضفي عليه (إيسا) بُعدًا إنسانيًا من خلال معاناة الكائنات الصغيرة (كالطيور والحشرات) وتجسيدها في التجربة الحياتية الشخصية.
ثم أتى عصر التحديث في أواخر القرن التاسع عشر مع ماساواكا شيكي ودخل مفهوم الشاسي (الرسم من الطبيعة/ الواقعية الفوتوغرافية)، ليمهد الطريق لعصرنة وعولمة هذا الفن. وفي مطلع القرن العشرين، هاجر الهايكو إلى الغرب من خلال 'المدرسة التصويرية' في الأدب الإنجلو-أمريكي، ومن الغرب واصل هجرته إلى العرب.
وعن محدودية الدراسات النقدية حول الهايكو العربي، قال الثقفي: رغم ما تزخر به الساحة الأدبية من طفرة إنتاجية لافتة في كتابة الهايكو، بدعم جمعيات ورابطات الهايكو المنتشرة في الوطن العربي؛ إلا أن المواكبة النقدية ما زالت متأخرة بخطوات، يعود ذلك إلى الثقافة الأدبية السائدة والذائقة الفنية المتجذرة المبنية على 'القصيدة الطويلة والممتدة' ذات النفس الغنائي (سواء العمودي أو التفعيلة). هذا الإرث يجعل بعض النقاد يتعاملون مع الهايكو كـمستورد ثقافي غريب وفن وافد على ثقافتنا فيرفضونه، وبعضهم يحاولون مقاربته بالفنون العربية الوجيزة كالشذرة والومضة والتوقيعة والابيجراما... إلخ فلا يعطونه حقه النقدي، ولذلك نرى الدراسات النقدية العربية مازالت تتراوح ما بين تبيئة الهايكو عربيًا وتجنيسه فنيًا، ولم تلتفت إلى صياغة أصوله وأدواته الفنية وبنيته وفلسفته وجمالياته وقراءته إلا نزر قليل من الدراسات الجادة.
كما أن غياب الحاضنة الأكاديمية له قلل من وجود دراسات مؤسسية جادة تقوم على الموضوعية والعلمية وتسبر غور هذا الفن، فما نجده هو اجتهادات شخصية من متخصّصين وهواة ذات سمة انطباعية لاترقى إلى النقد المنهجي.
وعن أكثر المشاهد الطبيعية إلهامًا لشعراء الهايكو، أوضح د. الثقفي: تُعدّ الطبيعة المصدر الأول والأكثر ثراء لشعراء الهايكو؛ فلا تحضر في الهايكو خلفية جغرافية أو مسرح أحداث أو تأثيث مكان؛ بل مرآة وجودية للذات الإنسانية، تكشف جمال العالم في بساطته، وترى المألوف لا مألوفًا، ومن أكثر المشاهد التي استبدت بمخيلة الشعراء عالميًا، التحولات الفصلية (فصول السنة) ومظاهر الزوال (الخريف مثلا)، والكائنات الهامشية والدقيقة كرصد حركة الطيور والفراشات والضفادع ... إلخ، ولا تكمن أهمية هذه المشاهد في وصفها الخارجي فحسب، بل في قدرتها على إثارة معنى إنساني عميق من خلال صورة مقتضبة، فوردة متفتحة قد ترمز إلى الميلاد، وورقة ساقطة إلى الفناء، وصوت طائر عند الفجر إلى الأمل والتجدد. وهكذا تتحول الطبيعة في الهايكو من مجرد منظر مرئي مألوف إلى لغة رمزية تختزل علاقة الإنسان بالزمن والحياة والكون، ويرى من خلالها الشاعر(الهايكست/ الهايجن) العالم.
محمد آل فاضل: الهايكو السعودي في تطور ملحوظ
وتحدث الأستاذ محمد آل فاضل قائلًا: الهايكو نص اللحظة والمكان؛فالهايكو كاميرا يابانية تلتقط الصور على شكل نصوص موجزة أينما كان الإنسان في الجبال أو الصحراء أو حتى في الجزر النائية.
كاتب الهايكو عندنا قد يكتب نصوصًا من الصحراء كما كتب عبدالله العنزي:
بصمت
يبتلع الكثيبُ
قدمي
أو عن الأزهار المنتشرة في بيئتنا:
ما أنتِ
لولا الشذى
يا زهرة الكادي؟!
د. أحمد القيسي
ولي نص عن شجرة السدر:
شجرة السدر العملاقة
تحول المطر الغزير
لوابلٍ من النبق
ونص آخر:
ظهيرةٌ منزلية
تُلطّف عناءَ النهار
برودةُ البيتِ الطيني
اليابانيون يكتبون عن جبل فوجي والساكورا ونحن نكتب عن السدر والنخيل والخزامى.
وطالما أن هناك قالب شعري جديد خارج نطاق التقليد فانه بالطبع سيواجه مقاومة. وأضاف آل فاضل: طالما هناك قالب شعري جديد خارج نطاق التقليد فانه بالطبع سيواجه مقاومة ككل الأشكال الأدبية الجديدة التي ظهرت كقصيدة النثر وقبلها شعر التفعيلة، هذا شيء طبيعي وهو يؤخر التقدم ويحد من وصول هذا الفن لشريحة أكبر من الجمهور.
كما أوضح أن الهايكو السعودي في تطور ملحوظ خصوصًا مع مجهودات نادي الهايكو السعودي والعطاء المتفرد والغزير للدكتور أحمد القيسي، ودعم كبار الأدباء والنقاد لهذا الفن ومنهم الدكتور عبدالله الغذامي.
وعن دور الجمعيات والمؤسسات الأدبية قال: تقوم بدور فعال ونطمح إلى المزيد من اللقاءات للحديث عن الهايكو ونقده. أما الجامعات فهي تدرك أهمية الانفتاح على الآداب الجديدة ومنها الأدب الياباني؛والاطلاع على خصائص هذا الأدب ومعايير الجمال فيه؛ تمامًا مثلما نطلع على الأدب اللاتيني وغيره، وقد شاهدت مؤخرًا رسائل وأبحاث جامعية عن هذا الفن. إن وجود الهايكو كمادة في إحدى كليات الآداب سيحقق ازدهارًا كبيرًا لهذا الجنس الأدبي.
وعن هوية الهايكو قال: أظن أنه قطع شوطًا لا بأس به في تكوين هوية خاصة تنسجم مع أسلوب الهايكو العالمي وتحتفظ بالهوية النابعة من البيئة والثقافة، لكن عدد المشتغلين في هذا الحقل ما زال دون المأمول، وبالمناسبة هناك شعراء معروفين شاركوا في كتابة هذا النص ونقده ومنهم الشاعر علي عكور والشاعر حيدر العبدالله.
جميلة الخميس: التجربة السعودية من أنجح التجارب
كذلك تحدثت الشاعرة والأديبة جميلة الخميس قائلة: قبل الحديث عن العناصر الأساسية التي يجب توافرها في نص الهايكو لابد أن نعرف ما هو الهايكو؟.. هو أقصر نص شعري، يعتمد على المشاهد التي يلتقطها الأديب من الطبيعة أو الحياة، ويعبّر عنها من خلال رؤيته الخاصة في أقل قدر من الكلمات.
والهايكو الكلاسيكي الذي يكتب في اليابان يتألف من سبعة عشر مقطعًا صوتيًا لكنه في طوره العالمي تخلى عن المقاطع الصوتية، واحتفظ بسماته التي تنتظم في ثلاثة أسطر، على النحو الآتي:
السطر الأول- الكيغو الذي يعبّر عن الموسمية أو (المكان).
السطر الثاني- المشهد الملتقط من الطبيعة أو مواقف الحياة اليومية.
السطر الثالث- المترفة التي تكسر أفق التوقع.
وعن التجربة السعودية قالت الشاعرة جميلة الخميس: أراها من أنجح التجارب؛ لأن أغلب من كتبوا الهايكو كتبوه عن معرفة وافية بخصائصه وعناصره، بداية برائدته في السعودية الأديبة الدكتورة خيرية السقاف التي تعتبر تجربة ملهمة في هذا المجال، كذلك الدكتور أحمد القيسي رئيس نادي الهايكو السعودي الذي قام بدور كبير في نشر الوعي من خلال إقامة الفعاليات الثقافية في مختلف مناطق المملكة للتعريف بهذا الفن، فكانت محاضراته أشبه ما تكون بورش العمل المتنقلة، وبأسلوب يجعل فهمه في متناول المبدع والقارئ والمهتم، وكان له حضور في الملتقيات العربية والعالمية، وآخرها المشاركة بفعالية ثقافية على هامش معرض بوينس آيرس للكتاب ٢٠٢٥م.
المشهد السعودي مليء بكتّاب الهايكو المتميزين، منهم من عُرف بالهايكو وحده، مثل محمد آل فاضل وعبدالله العنزي، ومنهم أسماء شعرية معروفة كتبت في شكل شعري آخر أو المسرحية أو القصة حسن القرني وسهام العبودي ومحمد خضر وعواطف سالم وحيدر العبدالله.. أضف إلى ذلك أننا في الساحة الثقافية السعودية نتفاجأ بين حين وآخر بظهور مبدع جديد يكتب العائلة بطريقة ملفتة، وخاصة مع تجربة هايكو الطفل الذي فاجأنا بأسماء مبدعة مثل ندى العمراني، وسندس الشريف، والعنود يحيى، وغيرهم.
وعن معاناة الهايكو من سوء فهم لدى بعض القراء والنقاد، قالت الخميس: بلاشك أن أي جنس أدبي جديد يتجلى في الساحة الثقافية يُجَابه بالنقد، وخاصة من قبل المدافعين عن الأصالة قراء ونقاد، بسبب عدم فهمهم لهذا الجنس الأدبي والاطلاع الكافي عليه، وكذلك بدعوى تهديد الهوية...
الهايكو شكل تعبيري مغاير في تعاطيه الفكرة، فهو يتجنب الخيال والمجاز والأنسنة التي اعتادت عليها الذائقة العربية، وهذا هو سر الصدام.. لكننا لابد أن نواكب الأدب العالمي، ونثبت للجميع أن لغتنا قادرة على استجلاب كل جديد، والإبداع فيه.