أخيرة

رغم الحداثة.. «العشة» تحافظ على حضورها في مزارع الخرمة

رغم الحداثة.. «العشة» تحافظ على حضورها في مزارع الخرمة
رغم ما شهدته مزارع محافظة الخرمة من تطور كبير في أساليب الزراعة والري، ودخول التقنيات الحديثة التي أسهمت في رفع كفاءة الإنتاج وتحسين الخدمات الزراعية، فإنها لا تزال تحتفظ بالكثير من ملامحها التراثية التي تعاقبت عليها الأجيال، لتبقى شاهدة على تاريخ طويل من العطاء، وتجسد عمق العلاقة التي ربطت الإنسان بأرضه ونخيله وموروثه الزراعي الأصيل.
ففي الوقت الذي استُبدلت فيه السواقي التقليدية، المعروفة محليًا بـ«الجوابي»، في عدد من المزارع بالبرك الحديثة وشبكات الري المتطورة، لا تزال «العشة» أو «العريش» تحافظ على مكانتها بوصفها أحد أبرز المعالم التراثية التي ارتبطت بالمزارع القديمة، وأصبحت تمثل رمزًا من رموز الهوية الزراعية التي تميز محافظة الخرمة، وتعكس جانبًا مهمًا من أسلوب الحياة الذي عاشه الآباء والأجداد عبر عقود طويلة.

وتُعد العشة جزءًا أساسيًا من مكونات المزرعة التقليدية، إذ لم تكن مجرد مظلة للاستراحة، بل كانت مجلسًا يجتمع فيه أصحاب المزارع وأفراد الأسرة والضيوف، ومكانًا تُناقش فيه شؤون الزراعة وتُستقبل فيه الزوار في أجواء ريفية يسودها الهدوء والبساطة. كما شكلت متنفسًا طبيعيًا للعاملين في المزارع، يقضون فيه أوقات الراحة بعيدًا عن حرارة الشمس، وسط ظلال النخيل وأصوات الطيور التي تضفي على المكان طابعًا من السكينة والطمأنينة.

وارتبطت العشة ارتباطًا وثيقًا بالمواسم الزراعية، ولا سيما موسم صرام التمور، حيث كانت تُستخدم في تنظيف التمور وفرزها وتجهيزها قبل نقلها إلى الأسواق، كما كانت مكانًا لحفظ بعض الأدوات الزراعية وتناول الطعام أثناء ساعات العمل، وهو ما جعلها عنصرًا عمليًا لا غنى عنه في الحياة اليومية داخل المزرعة.
وتُشيَّد العشة من خامات البيئة المحلية، وفي مقدمتها سعف وجريد النخيل، بينما تُقام أعمدتها تقليديًا من خشب الأثل المعروف بصلابته وقدرته على تحمل الظروف المناخية. وقد ساعد هذا الأسلوب في البناء على توفير بيئة طبيعية معتدلة الحرارة، حيث يسمح تصميمها المفتوح بدخول الهواء وتجدد النسائم، مما يجعلها مكانًا مثاليًا للجلوس والاستراحة والاستمتاع بجمال المزارع الممتدة وصفوف النخيل الوارفة.
ومع تطور أساليب البناء، شهدت العشة تحديثات متدرجة حافظت على هويتها التراثية، فأصبحت في كثير من المزارع تُنفذ بأعمدة حديدية أكثر قوة ومتانة، مع استخدام الأرضيات الخرسانية أو البلاط، وإضافة بعض اللمسات الجمالية الحديثة التي أسهمت في زيادة عمرها الافتراضي ورفع مستوى الراحة، دون أن تفقد مظهرها التقليدي الذي ارتبط في أذهان الأهالي بذاكرة المزارع القديمة.

ورغم هذا التطور، يحرص ملاك المزارع في محافظة الخرمة على الإبقاء على العشة ضمن مكونات مزارعهم، إيمانًا بقيمتها التراثية والاجتماعية، وحرصًا على الحفاظ على أحد أبرز عناصر العمارة الريفية التي توارثتها الأجيال. فهي تمثل شاهدًا حيًا على بساطة الحياة الزراعية قديمًا، وتروي للأجيال الجديدة قصة ارتباط الإنسان بالأرض، واعتماده على الموارد الطبيعية في تشييد مرافقه وممارسة أعماله اليومية.
ولم يقتصر حضور العشة على المزارع فحسب، بل امتد في السنوات الأخيرة إلى الحدائق المنزلية والعامة، والاستراحات والشاليهات والمقاهي والكافيهات، حيث أعيد تصميمها بمواد حديثة وأساليب تنفيذ متطورة، مع المحافظة على ملامحها التراثية وشكلها المعروف. وأصبحت عنصرًا جماليًا يعكس الهوية المحلية، ويمنح المكان طابعًا تراثيًا أصيلًا يستحضر ذاكرة الماضي ويعزز ارتباط الزوار بالموروث الشعبي.
وتجسد العشة نموذجًا واضحًا لقدرة التراث على مواكبة التطور دون أن يفقد أصالته، إذ استطاعت أن تحافظ على مكانتها رغم تغير أنماط البناء وتطور الوسائل الزراعية، لتظل جزءًا من المشهد الريفي في محافظة الخرمة، وعنوانًا للموروث الزراعي الذي يعتز به الأهالي ويحرصون على نقله إلى الأبناء والأحفاد.
وتؤكد هذه المظاهر التراثية أن محافظة الخرمة لا تكتفي بتطوير قطاعها الزراعي وفق أحدث التقنيات، بل تعمل في الوقت ذاته على صون موروثها الثقافي والزراعي، بوصفه جزءًا من الهوية الوطنية، وإرثًا حضاريًا يعكس تاريخ المكان والإنسان، ويجسد التوازن بين الأصالة والحداثة في صورة تبرز خصوصية المحافظة وتميزها.

أخبار ذات صلة

هلال مكة المكرمة يدرّب ويؤهل (36) ألف مستفيد
هلال مكة المكرمة يدرّب ويؤهل (36) ألف مستفيد
العانية بين إرث التكافل وضغوط الالتزام.. عادة اجتماعية تعيد رسم حضورها في الأعراس
العانية بين إرث التكافل وضغوط الالتزام.. عادة اجتماعية تعيد رسم حضورها في الأعراس
بعد 9 أشهر من توقيفه الإفراج عن فضل شاكر
بعد 9 أشهر من توقيفه الإفراج عن فضل شاكر
المملكة تعلن نجاح مبادرتها العالمية لتطوير إدارة النفايات الإلكترونية
المملكة تعلن نجاح مبادرتها العالمية لتطوير إدارة النفايات الإلكترونية
;
بحثان سعوديان عن حوكمة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني إلى العالمية
بحثان سعوديان عن حوكمة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني إلى العالمية
مصرع مؤثر أمريكي غرقاً بعد اختفائه تحت الماء
مصرع مؤثر أمريكي غرقاً بعد اختفائه تحت الماء
"وقاية" تحذّر المسافرين إلى خارج المملكة من مخاطر الأمراض المعدية خلال موسم الصيف
"وقاية" تحذّر المسافرين إلى خارج المملكة من مخاطر الأمراض المعدية خلال موسم الصيف
إطلاق وجهة ترفيهية استثنائية في قلب نجران عام 2027
إطلاق وجهة ترفيهية استثنائية في قلب نجران عام 2027
;
بعد هوس الحياة الأبدية.. ملياردير يُصاب بمرض نادر غير قابل للشفاء
بعد هوس الحياة الأبدية.. ملياردير يُصاب بمرض نادر غير قابل للشفاء
الجهات المعنية في الخرمة تختبر جاهزيتها لمواجهة السيول
الجهات المعنية في الخرمة تختبر جاهزيتها لمواجهة السيول
حرائق الغابات تجلي 10 ​آلاف فرنسي من 24 بلدة
حرائق الغابات تجلي 10 ​آلاف فرنسي من 24 بلدة
الأرض تبلغ أبعد نقطة عن الشمس بمسافة 152 مليون كم
الأرض تبلغ أبعد نقطة عن الشمس بمسافة 152 مليون كم
;
«ثمانينيَّة» تهزم السرطان وتنال الدكتوراة بمرتبة الشرف
«ثمانينيَّة» تهزم السرطان وتنال الدكتوراة بمرتبة الشرف
بيئة الشرقية تنظم لقاءً تدريبيًا حول أنظمة الصيد ومواسم الحظر
بيئة الشرقية تنظم لقاءً تدريبيًا حول أنظمة الصيد ومواسم الحظر
حفلات الأعراس.. المتنفس الصيفي الوحيد لطلاب الخرمة
حفلات الأعراس.. المتنفس الصيفي الوحيد لطلاب الخرمة
«تحدي الكراج» تمكين المبتكرين بتحويل الأفكار إلى مشروعات
«تحدي الكراج» تمكين المبتكرين بتحويل الأفكار إلى مشروعات