كتاب
حين تذبل رسالة الجامعة
تاريخ النشر: 14 يوليو 2026 23:20 KSA
ليست الجامعةُ مجرَّد مبانٍ وقاعاتٍ دراسيَّة، ولا معاملَ ومكتباتٍ وشهاداتٍ تُمنح في نهاية المطاف؛ إنَّها -في جوهرها- الضَّميرُ الفكريُّ للمجتمع، والمختبرُ الذي تتشكَّل فيه الأفكارُ، وتُصَاغ فيه الأسئلةُ الكُبرى، وتُنبت فيه العقولُ القادرةُ على صناعة المستقبل. وكلَّما ازدهرتِ الجامعاتُ، ازدهرتِ الأممُ، وكلَّما ضعفت رسالتها، خفت وهجُ المعرفة، واتَّسعت الفجوةُ بين المجتمع ومستقبله.
غير أنَّ التحوُّلات الاقتصاديَّة والإداريَّة التي اجتاحت مؤسَّسات التَّعليم العالي -خلال العقود الأخيرة- أثارت تساؤلاتٍ عميقةً حول ما إذا كانت الجامعةُ ما تزالُ وفيَّةً لرسالتها التاريخيَّة، أم أنَّها أخذت تنزلقُ تدريجيًّا نحو منطقِ السوقِ، حيث تُقَاس القيمة بالأرباح، ويُختزل التَّعليم في مؤشِّرات الأداء والتَّصنيفات العالميَّة. ومن هنا تبرزُ أهميَّة كتاب «الأكاديميا المُظلمة: هكذا تموت الجامعات»، للأكاديميِّ البريطانيِّ بيتر فلمنغ، بوصفه واحدًا من أبرز الكُتب التي تناولت هذه التحوُّلات بالنَّقد والتَّحليل، محاولًا الإجابة عن سؤالٍ بالغِ الأهميَّة: كيف وصلت الجامعةُ الحديثةُ إلى هذه اللَّحظة الحرجة؟.
يرى فلمنغ أنَّ جائحة كوفيد 19 لم تكنْ سببًا في أزمة الجامعات، بل كانت لحظةً كاشفةَ لأزمة تراكمت بصمتٍ منذ سنوات طويلة، حتى غدت الجامعةُ الحديثةُ أقربَ إلى مؤسَّسة اقتصاديَّة منها إلى فضاء لإنتاج المعرفة.
ويشرحُ المؤلِّفُ كيف انتقلت الجامعاتُ تدريجيًّا من مؤسَّسات تخدمُ الصَّالح العام، إلى مؤسَّسات تُدار وفقَ معايير الربحيَّة والكفاءة، حيث هيمنت مؤشِّراتُ الأداء، والتَّصنيفاتُ العالميَّةُ، وتضخَّمت الأجهزةُ الإداريَّة، وأصبح النجاحُ يُقَاس بالأرقام والتمويل، أكثرَ ممَّا يُقَاس بجودة المعرفة وأثرها.
ومن أكثر أفكار الكتاب إثارةً للجدل، وصفه لتحوُّل الطَّالبِ إلى «عميلٍ»، والأستاذِ إلى «موظَّفٍ» يخضعُ لضغوط النَّشر والاقتباسات والتَّمويل، في ظلِّ ثقافة «انشر، أو اندثر»، وهي ثقافة أثارت نقاشًا واسعًا في الجامعات الغربيَّة.
ويتوقَّف فلمنغ عند تصاعد البيروقراطيَّة الجامعيَّة، إذ اتَّسعت صلاحياتُ الإدارات التنفيذيَّة، وأصبح الأكاديميُّ يقضي وقتًا متزايدًا في التَّقارير والتَّقييمات والمهام الإداريَّة، على حساب البحث والتَّدريس.
كما يناقشُ الكتابُ ارتفاعَ معدَّلات الاحتراقِ الوظيفيِّ والقلقِ بين الأكاديميِّين، ولا سيَّما الباحثين الشَّباب، وأصحاب العقود المؤقتة، ويرى أنَّ هذه الظواهر ليست حالاتٍ فرديَّةً، بل انعكاسٌ لأزمةٍ بنيويَّةٍ.
ويبدُو أنَّ كثيرًا من هذه الإشكالات ليست حكرًا على منطقةٍ بعينها، بل تمتدُّ إلى جامعاتٍ عريقةٍ في أوروبا وأمريكا وأستراليا، وإنْ تفاوتت حدَّتها بحسب السِّياسات الوطنيَّة، ونُظم التَّمويل.
ومع أهميَّة أطروحة فلمنغ، فإنَّها لا تخلُو من ملحوظاتٍ، فهو يركِّز على الجوانب القاتمة أكثر من نماذج النَّجاح، كما أنَّ كثيرًا من الظواهر التي ينتقدُها ترتبطُ بتحوُّلات الاقتصاد النيوليبراليٍّ عمومًا، وليست مقتصرةً على البيئة الجامعيَّة.
وفي المقابل، لا ينبغي إغفال أنَّ الجامعات ما تزالُ تحقِّق إنجازاتٍ كُبرى في البحث العلميِّ والابتكار، وأسهمت في تطوير اللقاحات والتَّقنيات الحديثة؛ ممَّا يؤكِّد أنَّ النَّقد ينبغي أنْ يوجَّه إلى نماذج الإدارة والحوكمة، لا إلى فكرة الجامعة ذاتها.
وتكمنُ القيمةُ الحقيقيَّةُ لهذا الكتاب في أنَّه يوقظ الأسئلة الكُبرى: ما الوظيفة الحقيقية للجامعة؟ وهل يمكن أنْ تبقى المعرفة مستقلة في ظل منطق السوق؟ وكيف نوازن بين الاستدامة المالية والرسالة العلمية؟ إنَّها أسئلة تستحقُّ التأمُّل؛ لأنَّ مستقبل الجامعات ليس شأنًا أكاديميًّا فحسب، بل قضيَّة تمسُّ مستقبل المجتمعات، وقدرتها على إنتاج المعرفة والعقل النقديِّ.
غير أنَّ التحوُّلات الاقتصاديَّة والإداريَّة التي اجتاحت مؤسَّسات التَّعليم العالي -خلال العقود الأخيرة- أثارت تساؤلاتٍ عميقةً حول ما إذا كانت الجامعةُ ما تزالُ وفيَّةً لرسالتها التاريخيَّة، أم أنَّها أخذت تنزلقُ تدريجيًّا نحو منطقِ السوقِ، حيث تُقَاس القيمة بالأرباح، ويُختزل التَّعليم في مؤشِّرات الأداء والتَّصنيفات العالميَّة. ومن هنا تبرزُ أهميَّة كتاب «الأكاديميا المُظلمة: هكذا تموت الجامعات»، للأكاديميِّ البريطانيِّ بيتر فلمنغ، بوصفه واحدًا من أبرز الكُتب التي تناولت هذه التحوُّلات بالنَّقد والتَّحليل، محاولًا الإجابة عن سؤالٍ بالغِ الأهميَّة: كيف وصلت الجامعةُ الحديثةُ إلى هذه اللَّحظة الحرجة؟.
يرى فلمنغ أنَّ جائحة كوفيد 19 لم تكنْ سببًا في أزمة الجامعات، بل كانت لحظةً كاشفةَ لأزمة تراكمت بصمتٍ منذ سنوات طويلة، حتى غدت الجامعةُ الحديثةُ أقربَ إلى مؤسَّسة اقتصاديَّة منها إلى فضاء لإنتاج المعرفة.
ويشرحُ المؤلِّفُ كيف انتقلت الجامعاتُ تدريجيًّا من مؤسَّسات تخدمُ الصَّالح العام، إلى مؤسَّسات تُدار وفقَ معايير الربحيَّة والكفاءة، حيث هيمنت مؤشِّراتُ الأداء، والتَّصنيفاتُ العالميَّةُ، وتضخَّمت الأجهزةُ الإداريَّة، وأصبح النجاحُ يُقَاس بالأرقام والتمويل، أكثرَ ممَّا يُقَاس بجودة المعرفة وأثرها.
ومن أكثر أفكار الكتاب إثارةً للجدل، وصفه لتحوُّل الطَّالبِ إلى «عميلٍ»، والأستاذِ إلى «موظَّفٍ» يخضعُ لضغوط النَّشر والاقتباسات والتَّمويل، في ظلِّ ثقافة «انشر، أو اندثر»، وهي ثقافة أثارت نقاشًا واسعًا في الجامعات الغربيَّة.
ويتوقَّف فلمنغ عند تصاعد البيروقراطيَّة الجامعيَّة، إذ اتَّسعت صلاحياتُ الإدارات التنفيذيَّة، وأصبح الأكاديميُّ يقضي وقتًا متزايدًا في التَّقارير والتَّقييمات والمهام الإداريَّة، على حساب البحث والتَّدريس.
كما يناقشُ الكتابُ ارتفاعَ معدَّلات الاحتراقِ الوظيفيِّ والقلقِ بين الأكاديميِّين، ولا سيَّما الباحثين الشَّباب، وأصحاب العقود المؤقتة، ويرى أنَّ هذه الظواهر ليست حالاتٍ فرديَّةً، بل انعكاسٌ لأزمةٍ بنيويَّةٍ.
ويبدُو أنَّ كثيرًا من هذه الإشكالات ليست حكرًا على منطقةٍ بعينها، بل تمتدُّ إلى جامعاتٍ عريقةٍ في أوروبا وأمريكا وأستراليا، وإنْ تفاوتت حدَّتها بحسب السِّياسات الوطنيَّة، ونُظم التَّمويل.
ومع أهميَّة أطروحة فلمنغ، فإنَّها لا تخلُو من ملحوظاتٍ، فهو يركِّز على الجوانب القاتمة أكثر من نماذج النَّجاح، كما أنَّ كثيرًا من الظواهر التي ينتقدُها ترتبطُ بتحوُّلات الاقتصاد النيوليبراليٍّ عمومًا، وليست مقتصرةً على البيئة الجامعيَّة.
وفي المقابل، لا ينبغي إغفال أنَّ الجامعات ما تزالُ تحقِّق إنجازاتٍ كُبرى في البحث العلميِّ والابتكار، وأسهمت في تطوير اللقاحات والتَّقنيات الحديثة؛ ممَّا يؤكِّد أنَّ النَّقد ينبغي أنْ يوجَّه إلى نماذج الإدارة والحوكمة، لا إلى فكرة الجامعة ذاتها.
وتكمنُ القيمةُ الحقيقيَّةُ لهذا الكتاب في أنَّه يوقظ الأسئلة الكُبرى: ما الوظيفة الحقيقية للجامعة؟ وهل يمكن أنْ تبقى المعرفة مستقلة في ظل منطق السوق؟ وكيف نوازن بين الاستدامة المالية والرسالة العلمية؟ إنَّها أسئلة تستحقُّ التأمُّل؛ لأنَّ مستقبل الجامعات ليس شأنًا أكاديميًّا فحسب، بل قضيَّة تمسُّ مستقبل المجتمعات، وقدرتها على إنتاج المعرفة والعقل النقديِّ.