اعترضَ زميلٌ صحفيٌّ على كثرة التأليف لشخصٍ ما، فقال في منشورٍ سريعٍ له: "عندما يقولُ أحدُهم إنَّه ألَّف أكثرَ من 70 كتابًا وعمرُه لم يتخطَّ الخمسين، ماذا نتوقَّع من فحوى، وقيمة، ووزن هذه الكتبِ"؟!.
وبما أنَّني من أصحابِ المؤلَّفات العديدة؛ فكان لزامًا عليَّ أنْ أوضِّحَ الأمرَ، وبفضل الله وحده -لا باجتهادٍ منِّي، ولا حولَ ولا طولَ- بلغتْ مؤلَّفاتي 187 مؤلَّفًا في تصانيف شتَّى: إعلام، وصحافة، وأدب بشقَّيه النثريِّ والشعريِّ، وتصانيف سياسيَّة، وتربويَّة، واجتماعيَّة، وشأن عام، وذكريات، ورحلات، ومنها كتبُ في جزءين، وثلاثة، وأربعة أجزاء، وسبعة وعشرة، وموسوعة تراثيَّة شاملة، أتت في 37 جزءًا، تخلَّل هذه التَّصانيف 45 ديوانَ شعرٍٍ في جميع ألوان الشِّعر الفصيحِ، وثلاث مجموعات قصصيَّة، ورُواية طويلة -تحت الإعداد- كلُّ هذا وأنا لمْ أبلغ السَّبعين من العُمر..
ولستُ بدعًا في هذا الشَّأن، فلنا في السَّلف أسوةٌ حسنةٌ؛ فقد ألَّفَ العلَّامةُ ابن الجوزي 300 مصنَّفٍ وحتى أبلغها ابن تيمية 1000 مصنَّفٍ في علومٍ شتَّى. وكذلك العلَّامة السيوطي ألَّف 561 كتابًا في شتَّى أنواع العلوم، ومثله الكندي ألَّف 270 كتابًا، والرَّازي ألَّف 200 مصنَّفٍ في علوم شتَّى، والحال نفسه للحسن بن الهيثم له 200 مؤلَّفٍ، وجابر بن حيَّان له 100 مؤلَّفٍ، والمقريزي له هذا العدد نفسه.
وخلاصةُ ما أقولهُ: إنَّ التَّأليف أرزاقٌ ومقسِّمها الخلَّاقُ، وهي مِننٌ من الله -جلَّ في عُلَاه- فكما يمنح ربِّي هذا ملايين، أو مليارات من الدنانير والدَّراهم، ويحجبُ عن ذاكَ الدَّرهم الواحد، يفعل ذلك في نطاق المُؤلِّفين والمُشتغلِين بكتبِ العلم وتصانيفها، وهذه حكمتُه البالغة، وهذا فضلُه يؤتيه مَن يشاء.
وما دمنا مع التَّأليف والمؤلِّفين، فتعالُوا نخفِّف حدَّة الجد بعض الشيء، بهذه المواقف المضحكة، التي حدثت مع المؤلِّفين سيَّما من زوجاتِهم، حتَّى قالت زوجةُ أحدِ المؤلِّفين السَّابقين: "لكتبُكَ هذه أشدُّ على نفسِي من ثلاثِ ضرائرَ".. وهذه وقفتْ غيرتُها عند حدِّ القولِ فقط، أمَّا مَن سوَّلت لهُنَّ أنفسهنَّ؛ بسببِ الغيرةِ الشَّديدة، فقد تجاوزنَ حدَّ القولِ إلى الفعلِ، وهو فعلٌ سيئٌ وموجعٌ ومؤلمٌ للمؤلِّف؛ فقد طالَ فعلهُنَّ كتبَ أزواجهِنَّ إحراقًا وإغراقًا وإتلافًا وإعدامًا.
* تزوَّج سيبويه بجاريةٍ عشقتهُ، وقد بدأ كتابهُ المُسمَّى بـ"الكتاب"، وصنَّف أوائل أبوابه، وهي جزازات وقطع جلود، وخرق، وأشقاف بيض، فلم يكن يُقبل على الجاريةِ، وهي مشغوفةٌ بحبِّه، فترصَّدت خروجَه إلى السُّوق في بعض حوائجه، وأخذت جذوةَ نارٍ فطرحتها في الكُتب حتَّى أحرقتها، فرجع سيبويه فنظر إلى كُتبهِ وهي هباءٌ؛ فغُشِي عليه أسفًا، ثمَّ أفاق، فطلَّقها، ثمَّ ابتنى "الكتاب" بعد ذلك ثانيةً!
* كان الخليلُ الفراهيديُّ منقطعًا إلى الليث بن المظفر، فلَّما صنَّف كتابه "العين" خصَّه بهِ، فحظي عند الليث جدًّا، ووهب له مئة ألفٍ، وأقبل على حفظه وملازمته، فحفظ منه النِّصف، واتَّفق أنَّه اشترى جاريةً نفيسةً، فغارت ابنةُ عمِّه وقالت: واللهِ لأغيظنَّهُ، وإنْ غظتهُ في المالِ لا يُبالي، ولكنِّي أراهُ مكبًّا ليلَه ونهارَه على هذا الكتاب، واللهِ لأفجعنَّهُ بهِ، فأحرقَتهُ، فلَّما عَلِمَ بذلك اشتدَّ أسفه، ولم يكنْ عند غيره منه نسخة، وكان الخليلُ قد مات.
* ويروي لنا أنيس منصور: كان لي صديقٌ من علماء المدينة المنوَّرة، اسمه الشيخ إبراهيم العياشي، قد ألَّف كتابًا عن "الحُجرات" -أي الغُرف- التي كان يسكنها الرسولُ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- مع زوجاتِهِ، وقد أمضى في تحقيق أماكنها عشرين عامًا، وكانت امرأته، ترى الرَّجل غارقًا بين الورق، وفي المناقشات، ولكنْ لا وجود له في البيت: زوجًا وأبًا لخمسة من الأولاد، فضاقت بكلِّ ذلك، وأحرقت الكتاب؛ ليُصابَ الرَّجلُ بالشَّللِ!


