يحتلُّ اسمُ محمد بن سيرين مكانةً بارزةً في الوعي الإسلاميِّ كأحد أشهر مَن عُرف بتعبير الرُّؤى في القرن الأول الهجريِّ. غير أنَّ الكتاب المتداول اليوم بعنوان "تفسير الأحلام الكبير لابن سيرين" يثير تساؤلات حول صحَّة نسبته إليه، ومنهجه، وحدود الاعتماد عليه.
يتَّفق عدد من الباحثين على أنَّ النسخ المطبوعة المتداولة ليست محقَّقة علميًّا بدقَّة، وأنَّها غالبًا تجميعات لاحقة ضُم إليها رُوايات وأقوال من عصور مختلفة. الأسلوب المطوَّل وكثرة التفريعات الرمزيَّة يوحيان بأنَّ النص أقرب إلى موسوعة تراثيَّة للتعبير، لا إلى مصنَّف أصلي ثابت النِّسبة لابن سيرين.
تعتمد هذه الكتب على: تفسير الرُّموز (كاللَّبن، والشَّجر، والطَّير...)، الاستئناس ببعض الآيات والأحاديث، تجارب منقولة عن السَّلف.. لكن هذا المنهج لا يقومُ على معايير علميَّة قابلة للاختبار، كما أنَّ كثيرًا من التأويلات عامَّة ومرنة، ما يسمح بإسقاطها على حالات متعدِّدة؛ ممَّا يضعف دقتها.
في السُّنًّة النبويَّة، تُقسم الرُّؤى إلى ثلاثة أنواع: رُؤيا صالحة من الله، وحلم من الشيطان، وحديث نفس. الإشكالُ يكمن في الخلط بين هذه الأنواع، إضافة إلى تأثير شخصيَّة الرَّائي وظروفه النفسيَّة والاجتماعيَّة على مضمون الحلم وتفسيره.
لا ينكرُ المنظور الدِّيني إمكانيَّة وقوع رُؤى صادقة نادرة، لكن ذلك لا يجعل الرُّؤيا مصدر تشريع أو أداة لحسم الخلافات. من زاوية علم النفس، كثير من حالات "تحقق الحلم" تُفسَّر بآليَّات الذاكرة الانتقائيَّة، إعادة تشكيل التفاصيل، أو المصادفة البحتة.
كما أنَّ تفسير الحلم قراءة معنويَّة تنبع من موهبة وفراسة، مع العلم بأنَّ علماء كبارًا مثل ابن باز، وابن عثيمين علامتان في الفقه والعِلم لم يشتهرَا بتفسير الأحلام، وهناك مَن هو دونهم أبرع في هذا الفن. فالتأويل والشِّعر موهبتان؛ قد تجد شاعرًا ليس بعالم وقد تجد عالمًا ليس بشاعرٍ؛ لأنَّهما موهبتان مستقلَّتان عن التحصيل العلميِّ.
الخلاصة:
الكتاب المتداول باسم "تفسير الأحلام الكبير لابن سيرين" جزء من التراث الشعبيِّ الدينيِّ، أكثر من كونه نصًّا موثًّقًا أو منهجًا علميًّا صارمًا. الدعاء بالرُّؤيا الصالحة مباحٌ، كما في قول: "اللَّهُمَّ أَرنِي رُؤيا صادقةً غيرَ كاذبةٍ، نافعةً غيرَ ضارَّةٍ، مذكورةً غيرَ منسيةٍ".
تظلُّ الرُّؤيا تجربةً شخصيَّةً تُفهم في إطارها الرُّوحيِّ المحدود، بعيدًا عن المبالغة أو الإنكار المطلق، ولا يُبنى عليها حكم عام، أو معرفة مستقلَّة.


