يقول أحد الأصدقاء: تعودت لسنوات على الصلاة في مكان بعينه داخل مسجد الحي، حيث أضع فيه حامل المصحف ومسبحتي الخاصة، ولأنني ولله الحمد كنت من المبكرين في الحضور، فقد كان المكان متاحًا لي في معظم الصلوات، حتى إني أصبحت اتجه إليه بطريقة آلية؛ ودون تفكير، بعد أن نشأت بيني وبينه ألفة جعلتني أشعر بأنه «مكاني» الذي لا ينازعني فيه أحد من العالمين!.
ذات يوم تأخرت قليلًا، لأفاجأ برجل كبير في السن يجلس في مكاني بكل طمأنينة.. شعرت بضيق واستفزاز كبيرين وكأن حقاً من حقوقي قد اُغتصب!.. فكرت لوهلة بالتحدث معه، لكن سنه؛ وانهماكه في الدعاء منعاني.. تراجعت بحثاً عن مكان آخر، لكن عيني ظلت تذهب بين حين وآخر نحو الرجل ومكاني (المغتصب)، ووجدتني أردد في داخلي بشيء من الامتعاض: «لقد أخذ مكاني»!.
يضيف: صليت مشتت الذهن، ثم خرجت من المسجد، لكن عبارة «أخذ مكاني» مازالت ترن في ذهني. في طريقي للمنزل، وبعد لحظات من الاستغفار، بدأت موجة الغضب تنحسر، وبدأت أرى الموقف بصورة مختلفة.. فالرجل لم يفعل شيئًا يستحق كل هذه الغضبة..! لم يدخل بيتي ويجلس في مكاني، ولم يوقف سيارته في موقفي الخاص، وإنما جاء إلى بيت من بيوت الله، ووجد مكانًا خاليًا فجلس فيه!.. ثم وجدت نفسي أضحك وأقول: «مكاني؟! وكيف أصبح لي مكان خاص في المسجد؟! هل ملكته بوضع اليد؟! كل ما في الأمر أنني جلست في هذه البقعة سنوات، حتى اعتدت عليها، وربما اعتاد على رؤيتي فيها جيراني في الحي ، ثم تحول هذا (الاعتياد) في داخلي إلى شيء يشبه الملكية»!. واصلت طريقي للمنزل وأنا أحوقل وأستغفر.
قاتل الله التعوّد.. كم أوهمنا بالملكية والاستحقاق في كثير من جوانب حياتنا.. فأحياناً نعتاد خدمة يقدمها لنا شخص بحكم المحبة أو المروءة، فإذا اعتذر عنها يومًا شعرنا أنه قصّر في حق من حقوقنا!.. أو نعتاد ميزة (استثنائية) يمنحنا إياها مدير في العمل، حتى إذا تغير المدير أو أوقفها؛ قلنا إن حقوقنا سُلبت!.. وكآباء، كثيراً ما نعتاد أن يستشيرنا أبناؤنا في كل صغيرة وكبيرة، فإذا كبروا واستقلوا بقراراتهم حسبنا ذلك جحودًا وعقوقاً!.. أو عندما نعتاد أن يبادرنا شخص بالسؤال والاتصال والمعايدة، حتى إذا توقف سألنا مستنكرين: لماذا تغيّر؟ دون أن نسأل أنفسنا: وكم مرة بادرناه نحن؟!.
بالتأكيد هناك حقوق يضمنها الدين والنظام والمواطنة، وأخرى تصنعها العقود والعِشرة والوفاء، لكن المشكلة تحدث حين نخلط بين «الحق والاعتياد»، وبين «الفرصة والملكية الخاصة».. ولعل المعيار الأبسط الذي يستحق أن نتوقف عنده هو أن نسأل أنفسنا بأمانة وعقلانية: هل هذا هو حقٌ لي فعلًا، أم أنني فقط اعتدت الحصول عليه؟.
يختم صديقنا القصة بالقول: دخلت المسجد في اليوم التالي، فوجدت مكاني الأثير خاليًا، لكنني وعلى غير عادتي، وجدت نفسي متجهًا للصلاة في مكان آخر.. لا أعرف لماذا فعلت ذلك، ربما لأقول لنفسي إنني فهمت الدرس؛ فالاعتياد على الأشياء لا يمنحنا ملكيتها، وأن بعض ما نخشى أن يأخذه الآخرون منا، لم يكن لنا أصلًا.. ربما!.


