كل كتاب جديد يُحتفل به، يذكِّرني بأنَّنا لا نصفقُ للكتاب، بل للرحلة الطويلة التي سبقته. فالكتابُ لا يولدُ عندما يخرج من المطبعة، وإنِّما يولد في ليالٍ طويلةٍ من القراءة، والتأمُّل، والشكِّ، والمراجعة، وفي لحظات يظنُّ فيها الكاتب أنَّه لن يصل إلى النهاية. لذلك فإنَّ الاحتفاء بالإصدار الجديد، هو في حقيقته احتفاء بالإنسان الذي انتصر على التعب، ووصل أخيرًا إلى قارئه.
هذا ما شعرتُ به وأنا أحضرُ الاحتفاءَ بصدور كتاب «وللحديث بقية»، للأستاذ عدنان صعيدي، في أمسيةٍ نظَّمها نادي «ستين تسعين»، بحضور معالي الدكتور عبدالعزيز خوجة، والأستاذ محمد باوزير، ونخبة من المثقَّفِين والإعلاميِّين.
ولعلَّ أجمل ما بدأ به صاحبُ الاحتفاء أمسيته؛ أنَّه كان هو المحتفِي بضيوفهِ قبل أنْ يكونوا هم المحتفون به. بطاقة باسم كل ضيف، ونسخة من الكتاب داخل ظرف يحمل اسمه، واستقبال يفيضُ بالودِّ. تفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنَّها تقول الكثير عن شخصيَّة تؤمن بأنَّ الثقافة تبدأ من احترام الإنسان.
عدتُ إلى منزلي، وبدأتُ قراءة الكتاب. وما إنْ تجاوزت الصفحات الأولى؛ حتَّى أدركتُ أنَّني لن أقرأ مجرَّد مجموعة من المنشورات، التي سبق أنْ نشرها الكاتبُ في وسائل التواصل الاجتماعيِّ، بل سأقرأ تجربة إنسان عاش تفاصيل المشهد الثقافيِّ والإعلاميِّ، ثمَّ قرَّر أنْ يحفظها بين دفَّتي كتاب.
فالفرقُ كبيرٌ بين مَن ينقل الحدث، ومَن يمنحه معنًى.
عدنان صعيدي لا يكتبُ عن كِتَاب ليعرِّفنا به، ولا عن شخصيَّة ليقدِّم سيرتها، ولا عن مناسبةٍ ليؤرِِّخ لها، بل يكتبُ ليقول: ماذا تعني هذه المناسبة؟ ولماذا تستحقُّ أنْ نتوقَّفَ عندها؟ لذلك نجد صوته حاضرًا في كل صفحة، لا يختبئُ خلف الخبر، ولا يتوارى وراء المجاملة، بل يطرح رأيه بهدوءٍ، ويقدِّم وجهات النظر المختلفة دون أنْ يتخلَّى عن قناعته.
لقد استطاع أنْ يحوِّل وسائل التواصل الاجتماعيِّ من مساحة للعبور السَّريع إلى مساحة للتأمُّل والحوار. ففي زمن تبتلعُ فيه المنشورات بعضها بعضًا، وتختفي الكلماتُ بعد ساعات من نشرها، اختار أنْ يمنحها حياةً أطولَ، وأنْ يحفظها في كتابٍ؛ لأنَّ الكلمة التي تستحقُّ القراءة تستحقُّ أيضًا أنْ تبقى.
وأنا أقرأ، كنتُ أشعرُ أنَّ الكاتب لا يتحدَّث عن السياسة وحدها، ولا عن الإعلام وحده، ولا عن الثقافة وحدها، بل عن الإنسان الذي يقفُ خلف كل ذلك. لذلك جاءت الموضوعات متنوِّعة، لكنَّها بدت وكأنها تنتمي إلى خيطٍ واحدٍ، هو الإيمان بأنَّ الثقافة ليست ترفًا، بل طريقة لفهم الحياة.
ولفتني حديثه عن الإعلام، حين دعا إلى أنْ يكون شريكًا في صناعة الوعي، لا مجرَّد ناقل للأخبار، وإلى إعداد إعلاميِّين ومتحدِّثين رسميِّين يمتلكون المعرفة قبل امتلاك المنصَّة. وهي أفكار لا تبدو تنظيرًا، بقدر ما تعكس تجربةً عاشها صاحبها، واختبرها عبر سنوات طويلة.
وأثناء القراءة؛ راودتنِي فكرةٌ أُخْرى. كم من المقالات الجميلة ضاعت؛ لأنَّها بقيت حبيسة الصحف، أو منصَّات التواصل؟ وكم من الكتَّاب لم يحفظُوا جزءًا مهمًا من ذاكرتهم الثقافيَّة؛ لأنَّهم لم يجمعوا نتاجهم في كتاب؟ إنَّ النشر ليس ترفًا، بل شكلٌ من أشكال مقاومة النسيان، وحماية الذاكرة من التبدُّد.
لهذا لم أرَ في «وللحديث بقية» مجرد كتاب جديد، بل رأيت محاولة واعية لحفظ ذاكرة مرحلة، وتوثيق أحداثها، وتسجيل شهادة كاتب عاشها من الداخل.
فالكاتبُ الحقيقيُّ لا يكتفي بأنْ يكتب عن زمنه، بل يترك للأجيال القادمة مفاتيح لفهم ذلك الزَّمن. وربَّما كانت هذه هي الرسالة الأجمل التي خرجتُ بها من هذه الأمسية.. إنَّ الكلمة الصادقة لا تنتهي عند لحظة نشرها، بل تبدأ منها. ولذلك... يبقى للحديث بقية.


