Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. أحمد حسن الخضير

حين يصبح الاتفاق أكثر راحة من الحقيقة

A A
بعد أنْ ينتهي النقاشُ، تبدأ أحيانًا الحكايةُ الحقيقيَّةُ.
يتفرَّق الحاضرُون، وتعود الأصواتُ إلى هدوئها، ثمَّ يقتربُ منك أحدُ الذين لم تسمع منهم طوال الجلسة سوى كلمات التأييد. ينظرُ حوله كأنَّه يتأكَّد أنَّ أحدًا لا يسمع، ثمَّ يقول بهدوءٍ: «في الحقيقة... لم أكنْ مقتنعًا بكلِّ ما قِيل»..!
في كلِّ مرَّة كنتُ أسمعُ هذه العبارة، كنتُ أتوقَّفُ عندها أكثر من توقُّفي عند النقاش نفسه. لم يكن السؤال: لماذا غيَّر رأيه؟ بل: لماذا أخفَى رأيه منذ البداية؟
ومع تكرار المشهد، بدأتُ أقتنعُ بأنَّ كثيرًا من النَّاس لا يعجزُون عن التفكير، وإنَّما يجدُون أنَّ الاتفاق أقل كلفة من الاختلاف. فالاختلافُ، حتَّى حين يكون مهذَّبًا، قد يضع الإنسان في مواجهة نظرات لا يحبُّها، أو يحرمه من ذلك الشعور المريح بأنَّه جزءٌ من الجماعة.
وليس هذا أمرًا مستغربًا. فالإنسانُ، قبل أنْ يكون صاحب فكرة، هو كائنٌ يبحث عن الانتماء. وربَّما لهذا يتردَّد كثيرُون في أنْ يكونوا أوَّل من يقول: «لا أوافقُ».
ومن هنا تبدأ ظاهرةٌ تستحقُّ التأمُّل. فبعض الأفكار لا تكبر لأنَّها أقوى من غيرها، بل لأنَّها تتكرر أكثر. ومع كل تكرار، يزداد حضورها في الأذهان، حتى تبدو وكأنَّها حقيقة لا تحتمل السؤال. وعندئذٍ لا يعود الخلافُ معها مجرَّد اختلافٍ في الرأي، بل يصبح خروجًا على المألوف.
ولعلَّ أخطر ما في الأمر، أنَّ الإنسان قد يعتاد سماع فكرة حتى يظنَّ أنَّه وصل إليها بنفسه. يردِّدها مرَّة بعد أخرى، ثمَّ ينسى أنَّها كانت في الأصل رأيًا سمعه من غيره، ويبدأ في الدِّفاع عنها بوصفها قناعته الشخصيَّة.
وأثناء تأمُّلي لهذه الظاهرة، كنتُ أستعيدُ وصف الإمَّعة. لا لأنَّه يصف شخصًا بعينه، وإنَّما لأنَّه يذكِّرنا بإمكانٍ قد يسكن داخل كل واحد منَّا. فالإمَّعة لا يُولد بلا عقل، بل يتنازل، شيئًا فشيئًا، عن مسؤوليَّته في أن يفكِّر بنفسه. يطمئن إلى أنَّ غيره قد قام بالمهمَّة، فيرتاح من عناء السؤال.
لكنَّ الصورة لا تكتملُ إذا ظنَّنا أنَّ الاستقلال الفكري يعني مخالفة النَّاس دائمًا. فقد رأيتُ مَن يعارض كلَّ رأي، لا لأنَّه يملك دليلًا أقوى، بل لأنَّه اعتاد أنْ يجعل الاختلاف هويَّته. وهذا -في نظري- لونٌ آخرُ من التبعيَّة؛ لأنَّ الإنسان في الحالتين يجعل الآخرِين مرجعًا لموقفه، سواء وافقهم أو خالفهم.
كلَّما تقدَّمت بِي السِّنُّ، ازددتُ اقتناعًا بأنَّ أكثر ما يحفظ للعقل حيويته، ليس كثرة ما يعرف، بل قدرته على أنْ يسأل نفسه من جديد. فالسؤالُ الصادقُ لا ينتقصُ من الحقيقة، وإنَّما يمنحها فرصةَ أنْ تثبت نفسها. أمَّا الفكرة التي لا تعيش إلَّا في غياب السؤال، فهي أضعفُ ممَّا تبدُو.
وأحسبُ أنَّ أخطرَ ما قد يواجهه الإنسان، ليس أنْ يُخطئ في رأيٍ، فالخطأ جزءٌ من رحلة المعرفة، وإنَّما أنْ يتوقَّف عن مراجعة ما يؤمن به؛ لأنَّه وجد راحةً في أنْ يردِّد ما يقوله الآخرُون.
وربَّما لهذا لا تبدأ حريَّة التفكير عندما نجاهر بآرائنا، بل قبل ذلك بكثير. تبدأ في تلك اللحظة الهادئة التي نسألُ فيها أنفسنا، بعيدًا عن التَّصفيق والاعتراض:
لو لم يقل أحدٌ رأيه قبلي... فهل كنتُ سأقول الرأي نفسه؟
ذلك سؤال يبدو بسيطًا، لكنَّه قد يكونُ من أصعب الأسئلة التي يواجهها الإنسان؛ لأنَّه لا يختبر ما نعرفه، بل يختبر مقدار الصِّدق الذي نملكه ونحن نبحثُ عن الحقيقة.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store