عندما كنتُ طالبًا في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في الظهران بالمنطقة الشرقيَّة، وكان اسمها -آنذاك- جامعة البترول والمعادن، كان مسجِّل الجامعة أكاديميًّا أمريكيًّا اسمه نورمان كيث هستر، ولم تكن له شعبيَّة عند معظم الطُّلَّاب لشدَّته وصرامته، لكنَّه بأمانة قد جعل التَّسجيل مهمَّة مُمتعة وسريعة، ينجزها الطُّلَّاب في بداية كلِّ فصل دراسيٍّ خلال دقائق، عكس الجامعات الأُخْرى التي يحتاج طُلَّابها لأيام.
وكان هِسْتَر يتحدَّث اللُّغة العربيَّة بطلاقة، لكنَّه يبرع بالتَّمثيل أنَّه يجهلها، وأذكر أنَّني راجعته لمشكلة تسجيليَّة حلَّت بي، فكلَّف مساعده السعوديَّ واسمه عبدالله الغامدي أنْ يتحدَّث معي باللُّغة العربيَّة، بينما كان يُنصت لحديثنا العربيِّ ويفهمه جيِّدًا؛ كي يكسب وقتًا أطولَ لإعداد الإجابة، ثمَّ تحدَّث معي بالإنجليزيَّة بشراسةٍ وقرَّر ما شاء حول المشكلة، وليس ما طلبته أنا منه، فعُدْت أدراجي مدحورًا ومقهورًا وأنا أقولُ: لقد هَسْتَرَنِي هِسْتَر!.
ومعلوماتي الآن عن الرَّجل قليلة، ولولا إرسال أحد الأصدقاء صورته لي، بعد أنْ شاخ كثيرًا؛ لمَّا تذكَّرته، وهو قد عمل في الجامعة منذ عام 1965م، وغادرها في بداية الألفيَّة الثانية، وكان العمل يستحوذ على حياته كلِّها من الألف للياء.
ولم تكن مهمَّته مجرَّد حفظ سجلات الطُّلَّاب، وإضافة مُقرَّر، وحذف آخرَ، بل له فضلٌ على الجامعة، وجعلها تتصدَّر جودة التسجيل على مستوى المملكة والعالم، ومتى؟ في زمن ما قبل الاعتماد على الإنترنت، والحواسيب الشخصيَّة، والهواتف الذكيَّة، وهو إنجازٌ خارقٌ بكلِّ ما تعنيه الكلمة.
وبعد رُؤبتي صورته وهو عجوزٌ، ومن شدَّة تأثُّري بتغيُّر حاله، أجدني أتساءل: أينَ هُو الآن؟ وهل هُو حيٌّ يُرزق؟ ليت الجامعة تفيدنا، فكم من المسؤولين قد مرُّوا بها من كلِّ الجنسيَّات، وبنوا أنظمةً إيجابيَّةً بقيت بعدهم طويلًا، ثمَّ غادرُوا من دون أنْ نعرف أين أصبحُوا؟ ولو كانت هناك مسابقة لأفضل مسجِّل جامعة سعوديَّة؛ لرشَّحتُ هذا الهِسْتَر الغائب، رغم أنَّني أحد ضحايا هيستيريَّاته، وبعض النَّاس يغادرُون الأماكن، لكنَّهم لا يغادرُون ذاكرتها، وهِسْتَر بالتَّأكيد هو أحدُهم.
وَسَلامَتكُم قبلَ أنْ تُهَسْتِرُوا!.
هِسْتَر.. أفضل مُسجّل في الجامعات السعودية
تاريخ النشر: 20 أغسطس 2026 01:07 KSA
بضاعة مزجاة
A A


