Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد البلادي

الكلمات لا تموت!

A A
في العام 1945، تُوفِّي الشَّاعرُ العراقيُّ الكبيرُ معروف الرصافي، شُيِّع ودُفن في بغداد بما يليقُ بشاعرٍ مسلمٍ، وعروبيٍّ كبيرٍ، كانت قصائدُه الوطنيَّة تدرَّس في معظم البلدان العربيَّة.. ظنَّ النَّاسُ أنَّ صفحة الرصافي (الشَّاعر) قد طُويتْ للأبد، لكنَّ الرصافي (الكاتب)، كان قد ترك خلفه شيئًا لم يُدفَن معه.. مخطوطة كتابٍ يحملُ عنوانًا مثيرًا «الشخصيَّة المحمديَّة» به أفكارٌ صادمةٌ عن النبوِّةِ، والخلافةِ، والوحيِ، والصحابةِ.. ظلَّ الكتابُ بعيدًا عن عامَّة النَّاس عشرات السِّنين، حتَّى ظهر مطبوعًا في 2002، أي بعد وفاة صاحبه بنحو 57 عامًا.. وفجأةً عاد الرصافيُّ إلى الحياة، ولكنْ ليس بشعرهِ هذه المرَّة، بل عاد ليُحاكَم في إيمانِهِ وعقيدتِهِ، وعن أفكارٍ كتبها في سنواتِ عزلتهِ، وبدأ النَّاسُ يعيدُونَ قراءة الرَّجلِ من خلال كتابٍ لم يقرأه أغلبُهم في حياتِهِ!.
من أصعب خصائص الكتابة، أنَّك قد تعرفُ متى تكتبُ الكلمة، لكنَّك لا تعرفُ متى ستُقرَأ كلمتك؟ ولا مَن سيقرأها؟ ولا كيف سيفهمها؟ قد يتغيَّر الإنسانُ ويتراجعُ عن بعض آرائه، لكنَّ المشكلة أنَّ نصوصه القديمة لا تكبرُ معه، ولا تتغيَّر، ولا تعتذر نيابةً عنه.. بل تبقى محتفظةً بالنُّسخة القديمة من صاحبها.. ولعلَّ أبا حيان التوحيدي أدركَ هذه الورطة قبل أكثر من ألفِ عامٍ، فجمع في أواخر حياته عددًا من كتبه وأحرقها، مبرِّرًا ذلك بشعورهِ بالمرارةِ من عصرهِ وأهلهِ، وخشيتهِ أنْ تقعَ الكتب بعد موته في أيدِي مَن لا يعرفُون قدرَها، أو يسيئُون قراءتَها.
أيضًا (فرانز كافكا) فهم شيئًا من ذلك، حين ترك لأحدِ أصدقائهِ وصيةً بأنْ يحرقَ مخطوطاتِهِ بعد موتهِ، لكنَّ الصديق خانهُ أجملَ خيانةٍ في تاريخ الأدب، ولم ينفِّذ الوصيَّة، بل نشر أدب كافكا، فأصبحَ الرَّجلُ الذي أراد أنْ تختفي بعضُ كتاباتِهِ واحدًا من أشهر أدباء القرنِ العشرِين.
لعلَّك الآن، قد أدركتَ أنَّ كلَّ هذه القصص تقولُ لنا شيئًا واحدًا: (تستطيعُ أنْ تضعَ النقطةَ الأخيرةَ في كتابكَ، لكنَّك لا تستطيعُ أنْ تضعَ النقطةَ الأخيرةَ في حياةِ الكتابِ أو النصِّ)، فالكتابُ بعد نشره يبدأ حياةً مستقلَّةً عن صاحبه.. يسافرُ إلى أماكن لم يزرهَا مؤلِّفه، ويدخلُ بيوتًا لم يعرفَها، ويؤثِّر في أشخاص وُلد بعضهم بعد موتِهِ، وقد يرفعُ صاحبهُ، أو يدينهُ، أو يصنعُ له صورةً مختلفةً تمامًا عن الصُّورة التي عاش بها بين النَّاس.
اليوم لم تعد المسألة تخصُّ الرصافي، وكافكا، وكبار الكُتَّاب فقط.. فنحنُ -أيضًا- أصبحنا كتَّابًا.. حسابك في منصَّة «X: كتابٌ، منشوراتك صفحاتُهُ، ومقاطعك المصوَّرة فصولٌ، حتى تعليقاتك وهوامشك الصَّغيرة جزءٌ من سيرتك التي تكتبُها كلَّ يومٍ دون أنْ تشعر.. قد تكتب اليوم رأيًا بحماسةِ شابٍّ، ثمَّ تصبحُ بعد سنواتٍ شخصًا آخرَ تمامًا، لكن أحدهم يستطيعُ أنْ يعودَ إلى تلك الكلمات القديمة، ويضعها أمامك قائلًا: هذا أنت!.
هذه مشكلة لم يعرفها التوحيدي، والرصافي، ومجايليهما.. فقد كانوا يستطيعُون جمع أوراقهم في ليلةٍ واحدةٍ وحرقها.. أمَّا نحنُ، فمن الصعب أنْ يجمع الشَّخص كل ما كتبه في سنوات بين المنصَّات المختلفة.. نسخة عند صديقٍ، وأُخْرى أعاد شخصٌ نشرها، وثالثة في أرشيف إلكترونيٍّ، ورابعة في لقطةِ شاشةٍ، وخامسة ربَّما لا نعرفُ أصلًا أنَّها موجودةٌ.. لقد أصبح التخلُّصُ من الأثر أصعبَ من صناعته بكثيرٍ.
في عصر التَّوثيق، أصبحت الكلماتُ أطولَ عمرًا من أصحابها، والنصوصُ شواهدَ تبقَى بعد رحيلهِم؛ قد تنصفهُم، وقد تدينهُم، وقد تعيد تشكيل صورتِهم في أعين أجيال لم يروهم.
يقولُون إنَّ الكتابة أحدَ أشكال الخلودِ.. لكنَّهم لم يقولُوا لنا إنَّ الخلود يكونُ أحيانًا نقمةً أبديَّةً.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store