Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
نبيلة حسني محجوب

لماذا أصبحنا أقل صبرًا؟

A A
يقفُ أحدُنا أمام المصعد، يضغطُ الزِّرَ مرَّة، ثمَّ يُعيد الضَّغط بعد ثوانٍ، كأنَّ المصعد سيفهم استعجَالَه، ويقرِّر أنْ يصعدَ إليه أسرعَ.
نقفُ أمامَ إشارةِ المرور، فنراقبُها بضيقٍ يرفعُ توترنا.
إذا تأخَّر الردُّ على رسالة أرسلنَاهَا بدأنا نتساءلُ: لماذا لم يردْ؟.
في المطعم نريدُ أنْ يصلَ الطَّلبُ قبلَ أنْ ينهي الجرسُون تسجيل الطلبيَّة. على الهاتف لا نحتملُ أنْ يضعنَا موظَّفُ خدمةِ العملاءِ على الانتظار أكثرَ من دقائقَ قليلةٍ.
تفاصيلُ صغيرةٌ، نمارسُها كلَّ يوم دونَ أنْ نتوقَّف عندها، لكنَّها تقولُ شيئًا عن حياتنا: لقد أصبحنا أقلَّ صبرًا.
والمفارقةُ أنَّ هذا يحدثُ في زمنٍ أصبحت فيه الأشياءُ أسرعَ من أيِّ وقتٍ مضى؛ الرسالةُ التي كانتْ تقطعُ المسافاتِ في أيَّامٍ وأسابيعَ تصلُ -الآن- في ثانيةٍ، والمعاملةُ التي كانتْ تحتاجُ إلى مراجعاتٍ وانتظارٍ يمكن إنجازها بضغطةِ زرٍّ، والمعلومةُ التي كنَّا نبحثُ عنها في الكُتب والمَراجع والمَكتبات؛ أصبحت بين أيدينَا في اللَّحظة نفسِهَا.
كان يُفتَرض أنْ تمنحنا هذه السُّرعة مزيدًا من الوقت والهدوء، لكنَّها فعلت العكسَ تقريبًا؛ كلَّما اختصرنَا الوقت، أصبحنا أكثرَ ضيقًا بهِ.
ربَّما لأنَّ السرعة لا تُشبِع رغبتنا، بل ترفعُ سقفَ توقُّعاتنا. عندما اعتدنا أنْ تصل الرسالة فورًا، أصبح تأخُّر الردِّ عليها أمرًا يثير القلق. وعندما اعتدنَا إنجاز حاجاتِنا إلكترونيًّا، أصبح الوقوفُ في طابورٍ قصيرٍ عبئًا. وعندما أصبحت الأخبارُ تصلنا لحظةَ وقوعِها، لم نعد نطيقُ انتظار التَّفاصيل أو التحقُّق منها، نريدُ أنْ نعرفَ الآن، وأنْ نحكمَ الآن، وأنْ نعلِّق الآن..!
حتى علاقاتنا الإنسانيَّة أصابها شيءٌ من هذا الاستعجال؛ لا نمنحُ الآخرَ الوقت الكافي؛ ليتحدَّث، أو يشرح، أو يعتذر.
نستعجلُ الحُكم على النَّاس كما نستعجلُ تحميلَ صفحةٍ على الإنترنت.
كلمةٌ عابرةٌ قد تصنعُ موقفًا، ورسالةٌ مقتضبةٌ قد تُفسَّرُ على غير معناها، وتأخُّر شخصٍ في الاتِّصال قد يتحوَّل في أذهاننا إلى موقفٍ كاملٍ نبنيه من الظُّنون. وكأنَّنا نقلنا منطقَ الآلة إلى الإنسان، نضغطُ الزرَّ وننتظرُ الاستجابةَ.
لكنَّ الإنسان ليس آلةً، والحياة ليست تطبيقًا إلكترونيًّا، وبعضُ الأشياء الجميلة لا تزالُ تحتاجُ إلى وقت؛ كي تنضجَ.
الصداقةُ تحتاجُ إلى وقتٍ، والثقةُ تحتاجُ إلى وقتٍ، والمعرفةُ تحتاجُ إلى وقتٍ، وتربيةُ الأبناءِ تحتاجُ إلى سنواتٍ طويلةً من الصَّبر والتِّكرار. حتَّى النَّجاح الذي نراهُ فجأةً أمامنا، غالبًا ما تكون وراءه سنواتٌ لم نشاهدها من المحاولةِ والإخفاقِ، والبدء من جديد.
ولعلَّ أخطرَ ما صنعته ثقافةُ السرعة، أنَّها جعلتنا نستعجلُ النتائج. نريدُ أنْ نبدأ اليوم، وننجح غدًا. نكتبُ كتابًا وننتظرُ صداه فور صدورهِ، نبدأ مشروعًا ونريدُ أنْ نرى ثماره سريعًا، ندخل تجربةً جديدةً فإذا لم تحقِّق ما نريد في وقتٍ قصيرٍ حكمنا عليها بالفشل، ونسينا أنَّ الحياة لم تكنْ يومًا بهذه الطريقة.
الشجرةُ لا تستعجلُ ثمرَها، والطفلُ لا يكبرُ؛ لأنَّنا نريدُه أنْ يكبرَ، والفكرةُ الجيِّدةُ تحتاجُ -أحيانًا- إلى أنْ تبقى طويلًا في الرَّأس قبل أنْ تجد عبارتها المناسبة.
الإنسانُ نفسه يحتاجُ إلى أنْ يمرَّ بالتجربة كاملة، بما فيها من انتظارٍ وتعثُّرٍ وتأجيلٍ؛ كي يفهم أشياءَ لم يكن يمكن أنْ يتعلَّمها بسرعةٍ.
الصَّبرُ هنا ليس استسلامًا، ولا قبولًا بالتَّقصير، وليس دعوةً إلى البطءِ في عالم يحتاجُ إلى الإنجاز.
الصَّبرُ هو أنْ نعرف الفرق بين ما نستطيعُ تسريعه وما يحتاجُ بطبيعته إلى الوقتِ.
ومن الجميل أنْ تمنحنا التَّقنية خدماتٍ أسرعَ، وطرقًا أقصرَ، لكنَّ المشكلة تبدأ حين نتوقَّع أنْ تسيرَ الحياةُ كلَّها بالسُّرعة نفسها.
نحتاجُ -أحيانًا- أنْ ننتظر دون أنْ ننظر إلى الساعة، وأنْ نستمع إلى حكايةٍ طويلةٍ دون أنْ نستعجل نهايتها، وأنْ نترك الآخرِين يكملُون جُملَهم قبل أنْ نقاطعُهم، وأنْ نقبل بأنَّ بعض الأسئلة لا تأتي إجاباتُها فورًا، وبعض الأمنيات تتأخَّر، وبعض الطُّرق لا يمكن اختصارُها.
ربَّما لم نصبح أقلَّ صبرًا؛ لأنَّ الحياة أصبحت أصعب، بل لأنَّها أصبحت أسرعَ، حتى نسينا أنَّ الانتظارَ جزءٌ منها.
لقد نجحنا في اختصار المسافات، وتسريعِ الاتصالاتِ، وتوفيرِ الوقت، وهذا كله من أجمل منجزاتِ عصرنا. لكن يبقى السُّؤال الذي يستحقُّ أنْ نتوقَّف عنده:
هل اختصرنا المسافات، حتى فقدنا القدرة على احتمال الطريق، أم أنَّ من سمات عصر السرعة أنْ نصبح أقل صبرًا؟.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store