دائمًا يُقال لك: إنَّ سرَّ النجاح الوظيفي يكمنُ في تحمُّل المسؤوليَّة، ومواجهة التحدِّيات بشجاعة، لكن إذا أردت حقًّا أنْ تعش طويلًا في بيئة الشركات، وتترقَّى بسلام؛ حتى تصل إلى مقعد وثير، فعليك فورًا تمزيق تلك النصائح الساذجة، فالواقع المؤسسي يثبت يومًا بعد يوم أنَّ البطل الحقيقي ليس مَن يحمل المظلَّة ليحمي الجميع من العاصفة، بل مَن يجيد -بفنٍ رفيعٍ- تمرير العصا للآخرِين، ويمضي نظيفَ اليدين، بلا خطأ واحدٍ يُسجِّل في سجله الوظيفيِّ.
القاعدة الذهبيَّة الأولى في هذا الفن العريق هي لا توقِّع على شيءٍ أبدًا، فالتوقيعُ هو الوثيقة الرسميَّة التي تحوِّلك من موظَّفٍ بريءٍ إلى متَّهمٍ رئيسٍ في أيِّ كوارث مستقبليّة، إذا جاءتك معاملة تتطلَّب قرارًا، فلا ترفضها صراحةً، ولا تقبلها كليَّةً؛ بل مارس عليها لعبة كرة الطاولة الإداريَّة، ارفعها إلى قسم آخرَ تحت ذريعة تتطلَّب مرئيَّات الإدارة الزميلة، وحين تعود إليك، أرسلها إلى المستشار القانونيِّ؛ بحجَّة التأكُّد من التوافق مع اللوائح التنفيذيَّة. عِش حياتك المهنيَّة كعابر سبيل، تدير المعاملات بحذرٍ شديدٍ، وكأنَّها قنبلةٌ موقوتةٌ توشك على الانفجار بين يديك، لتخرج في نهاية الدوام ويديها نظيفتَان تمامًا من أيِّ إنجازٍ أو فشلٍ.
أمَّا السلاحُ الأعظم في ترسانة الهروب، فهو فنونُ البريد الإلكترونيِّ النسخيِّ، فإيَّاك ثمَّ إيَّاك أنْ ترد على مشكلة تخصُّ العمل بكلمةِ «تم» وحدها، يجبُ أنْ تضمَّ إلى قائمةِ المستلمِين نصف أعضاء المؤسَّسة، بما في ذلك المدير العام ومساعدوه، لتشهد اللجنة الرباعيَّة والعشرون مسبقًا أنَّك حذَّرت من الطَّامة الكُبرى قبل وقوعها، وإنْ وضع زملائك في قائمة النسخ الخفيِّ، أو الظاهر ليس مجرَّد مشاركة للمعلومة، بل هو درعُ بشري رقمي تحتمي به خلف أسماء الآخرِين، فإذَا سقط السقف على الجميع، ستكون الوحيد الذي يملك دليلًا قاطعًا على أنَّه كان يصرخ في وجه الكارثة، بينما كان الآخرُون نيامًا.
وهكذا يبرزُ بمرور السِّنين ذلك النموذجُ الفريدُ «المدير الرمادي»، ذلك الكائن الذي يعيش عشرين عامًا في ممرَّات الشركة، لا يتذكَّره أحدٌ بسوءٍ ولا يذكره أحدٌ بخير، لم يوقِّع على قرارٍ تاريخيٍّ واحدٍ، ولم يقترح فكرةً واحدةً يمكن أنْ تُنسب إليه، لكنَّه يترقََّى بانتظامٍ مذهل؛ لأنَّ سجله خالٍ تمامًا من الحوادث الإداريَّة، إنَّه يرتدي بدلات بلون الغبار، ويتحدَّث بنبرة منخفضة تشبه الطَّنين، ويعرف كيف يتوارَى عن الأنظار تمامًا ساعة الأزمات، ويظهر في الصفوف الأماميَّة ساعة توزيع المكافآت، والتقاط الصور التذكاريَّة.
الناس في الشركات يغادرون ويطردون، والمشروعات الكبرى تفشل وتنهار، والشركات تتأرجح على حافة الإفلاس، بينما يظل المدير الرمادي جالسًا على كرسيه الجلدي، يبتسم ببرود، ويحتسي قهوته الصباحية، واثقًاً بأنَّ مَن لا يعمل شيئًا على الإطلاق، هو الوحيد الذي لا يستطيع أحدٌ أنْ يمسك عليه خطأً واحدًا، ببساطة إنَّها براعةُ البقاء المُطلق في عالم لا يحترم الأبطال، بل يصفِّق طويلًا لأسياد الاختفاء.


