في كل شهر هناك يوم مشهود في حياة الـموظف هو (يوم الراتب) المجيد.. ينزل المرتب، فتُدفع الفواتير والأقساط، وتُشترى احتياجات المنزل، وتُقضى بعض المتطلبات المؤجلة، وربما معها عشاء فاخر أو سفرة ماتعة احتفالًا بهذه المناسبة التي لا تحدث إلا مرة واحدة كل شهر.. والأهم هو أن (النفسية تزين) و(تخف الضغوط) ولو لأيام معدودة.. لكن سرعان ما ينظر بعدها معظمنا إلى حسابه، ويتساءل نفس السؤال المكرور: أين (طار) الراتب؟! لتبدأ مرحلة (الاقتصاد) الكئيبة، تليها أيام (التقشف) الأكثر كآبة، وربما تنتهي الأيام الأخيرة من الشهر بالاستدانة أو استخدام البطاقة الائتمانية، حتى يصل الراتب الجديد لتعود الكرّة من جديد بنفس الخطوات والأخطاء وكأننا لم نستفد من درس الشهر الماضي شيئاً!.
المشكلة في (دورة حياة الراتب) القصيرة هذه، ليست دائمًا في مقدار الراتب، بل أحيانًا تكون في طريقة وصوله إلينا، فقد اعتدنا على وصول الراتب كاملاً وعلى دفعة واحدة، مع أن هذه ليست الطريقة الوحيدة لدفع الأجور في العالم.. ففي دول مثل الولايات المتحدة وكندا ودول أوروبية وآسيوية؛ هناك جهات تدفع الرواتب مرتين في الشهر، وأنظمة أخرى تدفع الأجر كل أسبوعين، وهما نظامان مختلفان بالمناسبة.. وجميعها تستحق الدراسة وربما التجربة.. والتجربة لا تعني فرضها غدًا على جميع الموظفين، ولا أن نقتطع من رواتب الناس رغماً عنهم، أو التحكم في أموالهم، وإنما تجربة الفكرة في بعض الجهات بصورة اختيارية ومدروسة، نصف الراتب في منتصف الشهر، والنصف الآخر في نهايته.
قد تبدو المسألة مجرد تغيير في موعد الاستلام، لكنها بالنسبة لبعض الناس قد تغير طريقة إدارة الشهر كله.. فعندما يستلم الموظف عشرة آلاف ريال مثلاً؛ دفعة واحدة، يشعر في الأيام الأولى بوفرة مالية قد تؤثر في قراراته الشرائية.. أما عندما يصله نصفها، وهو يعلم أن الخمسة الأخرى ستأتي بعد أسبوعين، فإن المسافة بين الدخل والإنفاق تصبح أقصر، وقد تصبح إدارة المصروفات أسهل.
الفكرة بالتأكيد لا تزيد الراتب.. لكنها تعيد توزيع الإحساس بالقدرة على التحكم بالإنفاق، كما أنها قد تقلِّل مشكلة «آخر الشهر»، وربما تساعد الأسر على تنظيم التزاماتها، دفعة للإيجار والأقساط والالتزامات الثابتة، وأخرى للمعيشة والمصروفات المتغيرة، بدل أن تتزاحم كل الأموال وكل القرارات في يوم واحد.. ناهيك عن أثرها الإيجابي في بيئة العمل؛ فالموظف المستقر ماليًا ونفسيًا أقدر على التركيز والإنتاج.
أدرك أن هذا النظام لن يرحب به البعض، ولن يناسب الجميع، فهناك موظفون منظمون ماليًا؛ يجيدون توزيع رواتبهم، بل إن بعضهم يدخر ويستثمر ويعرف أين يذهب كل ريال.. وهذا لن يضيف له نظام الدفعتين شيئًا.. لكننا لا نتحدث عن هذا النموذج الملتزم، بل عن الموظف الذي يبدأ الشهر بإنفاق من لا يخشى الفقر ، وينهيه بالاستعاذة منه!.
لقد تطورت طريقة عملنا، وطريقة تسوقنا، وطريقة دفع مشترياتنا، وحتى طريقة إنفاقنا للمال.. بينما لا يزال الراتب يصلنا بالطريقة نفسها منذ عقود.. وربما حان الوقت أن نسأل: كيف ندفع للموظف راتبه؟.


