Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أحمد عبدالرحمن العرفج

كيف تصنع أفكارنا وكلماتنا تفاصيل واقعنا؟

الحبر الأصفر

A A
يعتقد الكثيرُ من النَّاس أنَّ الحياة معركةٌ شرسةٌ يجبُ خوضها بالصِّراع والمشقَة، لكن في المقابل، هناك فلسفة نفسيَّة وعميقة ترى الحياة من منظورٍ مختلفٍ تمامًا، تراها كـ»لعبةٍ» دقيقةٍ ومحكومةٍ بقوانين صارمةٍ، الفائز فيها هو مَن يفهم كيف يرسل إشاراته لتعود إليه بالخير.
هذا المفهوم هو ما يُعرف عالميًّا بـ»قانون البومرنج»، ونحن نصيغُه هنا -لأوَّل مرة- بتعريبٍ أدقَّ وأعمقَّ يعبِّر عن جوهره: «لعبة الارتداد الحياتي»، وهو المبدأ الذي أسست له الكاتبةُ الشَّهيرة فلورنس سكوفيل شين في كتابها العالميِّ الأكثر مبيعًا «لعبة الحياة، وكيف تلعبها؟».
ما هي لعبة «الارتداد الحياتي»؟
تقوم اللعبة على فكرة هندسيَّة وحركيَّة بسيطة:
كل ما تقذفه في الفضاء يعود إليك محلِّقًا في مسار دائريٍّ ليستقر في يدك مجددًا.
الفلسفة النفسيَّة هنا تؤكِّد أنَّ أفكارنا، كلماتنا، وأعمالنا ليست مجرَّد أشياء عابرة نطلقها وننساها، بل هي طاقات نرسلها في فضاء حياتنا، وعاجلًا أم آجلًا، ستسلك طريقها الدائري؛ لترتد إلينا بنفس القوة والنوع.
في هذه اللعبة، لا يوجد شيء يذهب هباءً:
* ارتداد الكلمات:
الكلمة التي تنطق بها ليست مجرَّد صوت، بل هي أمر غير مرئي يلتقطه وعيُك وعقلُك الباطن؛ ليعيد تشكيله في واقعك.
كلمات الثناء والتشجيع والخير، تعود إليك في صورة مواقف مبهجة، بينما الشكوى المستمرّة والكلمات الجارحة والتشاؤم تعود إليك على شكل أزمات ومتاعب.
* ارتداد الأفعال: كل تصرف تقوم به تجاه شخص آخر، سواء كان مساعدة خفيَّة أو خذلانًا، هو قذيفة أطلقتها في فضاء الارتداد. سينسى النَّاسُ ما فعلته، لكن الحياة لا تنسى، وسترتد إليك نفس المعاملة تمامًا من أشخاص آخرين وفي أوقات قد لا تتوقعها.
* ارتداد الأفكار والنوايا: حتى المشاعر الداخليَّة المخفيَّة مثل الحسد أو الحب، الخوف أو الاطمئنان، تعمل كالمغناطيس الذي يجذب الأحداث الشَّبيهة بها إلى عالمك؛ فالنوايا الطَّيبة ترتدُّ توفيقًا، والنوايا السيئة ترتد تعثُّرًا.
والسؤال الأهم هنا هو: كيف تفوز في هذه اللعبة؟
الفوز في لعبة الارتداد الحياتي لا يتطلَّب قتالًا أو صراعًا مع الظروف الخارجيَّة، بل يتطلَّب ضبطًا صارمًا ونقيًّا للمدخلات.
لكي تضمن ارتدادًا جميلًا يُسعدك، عليك أولًا أنْ تراقب ما تقذفه؛ درِّب لسانك على الكلمات الإيجابيَّة والامتنان، ونظَّف نيتك تجاه الآخرين، وتصرَّف بالخير حتى لو لم تجد تقديرًا فوريًّا؛ لأنَّ إشاراتك في طريقها للعودة إليك محملة بما أرسلته.
حسنًا، ماذا بقي؟!
بقي القول: إنَّ القرآن الكريم قد سبق المؤلِّفة بقرون طويلة، حين وصف الحياة الدنيا في مواضع عديدة بأنَّها لعبٌ ولهوٌ، كما في قوله تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ}. وفي حين صاغت الكاتبةُ الغربيَّةُ هذا المفهوم في العصر الحديث على أنَّه «لعبةٌ» تحتاج لقوانين ذكيَّة للعيش بسلام، كان كتاب الله قد حسم هذه الحقيقة قبل أكثر من 1400 عام، مبينًا طبيعة هذه الدنيا اللاهية، ومؤكدًا في ذات الوقت على نفس قانون الارتداد الجزائيِّ العادل في قوله تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}. فالحياة في جوهرها وبأمر الله ليست سوى انعكاس دقيق لما تقدِّمه يداك وعقلك.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store