Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. أحمد حسن الخضير

حين تتعلم الآلة التفكير.. ماذا يبقى للإنسان؟

A A
كلَّما تقدَّمت الآلةُ خطوةً إلى الأمام، وقفنا أمامها بإعجابٍ، وربما بشيءٍ من القلق.
في سنواتٍ قليلةٍ، تعلَّمت الآلةُ أنْ تكتبَ، وتلخِّصَ، وتحلِّلَ، وتبحثَ، وأنْ تجيبَ عن أسئلةٍ كانت تحتاج في السَّابق إلى وقتٍ طويلٍ من البحث والتفكير. وكلَّما ظهرت قدرةٌ جديدةٌ لها، عدنا إلى السُّؤال نفسه: ماذا سيبقى للإنسان؟
ربما السُّؤال ليس في مكانه الصَّحيح. فالمشكلة ليست أنَّ الآلة أصبحت أكثر ذكاءً، وإنَّما في أنَّ الإنسان بدأ يتنازل لها، شيئًا فشيئًا، عن بعض الأشياء التي كانت جزءًا طبيعيًّا من حياته.
كان الإنسانُ يبحث عن المعلومة؛ لأنَّه يريد أنْ يعرف. اليوم يستطيع أنْ يحصل عليها خلال ثوانٍ، لكنَّه قد لا يمنح نفسه الوقت ليتساءل: هل هذه المعلومة صحيحة؟ وهل أحتاجُ إليها فعلًا؟
أصبحنا نريدُ الإجابة بسرعة، وأحيانًا ننسى أنَّ بعض الأسئلة تحتاج إلى وقتٍ حتى تنضج.
ولا يتوقَّف الأمرُ عند المعرفة. حتَّى علاقاتنا تغيَّرت. رسالة قصيرة قد تحلُّ محلَّ زيارة، ورمز صغير على شاشة الهاتف قد يحاول أنْ يقول ما كانت تقوله في السابق نظرة، أو ابتسامة، أو جلسة طويلة. نستطيع أنْ نتواصل مع شخص يبعد عنا آلاف الكيلومترات، ومع ذلك قد نعجز عن الجلوس بجوار شخص قريب منا دون أنْ ننشغل بهواتفنا.
نختصر الوقت باستمرار، ثمَّ نتساءل: لماذا أصبحت بعض لحظات حياتنا أقلَّ امتلاءً.
الآلةُ تستطيع أنْ تكتَب عن الحنين، لكنَّها لا تعرف ماذا يعني أنْ يعود الإنسان إلى مكانٍ قديمٍ، لا لأنَّه يريد شيئًا منه، وإنَّما لأنَّه ترك هناك جزءًا من عمره.
وتستطيع أنْ تتحدَّث عن الفَقْد، لكنَّها لا تعرفُ الصَّمت الذي يتركه غياب شخصٍ كان يملأ البيت بصوته.
هذه ليست أشياء صغيرة. ربما هي بالضبط الأشياء التي تجعل الإنسان إنسانًا.
لسنا بحاجةٍ إلى أنْ ننافس الآلة في السُّرعة، ولا في قدرتها على تخزين المعلومات واستعادتها. في هذه المجالات سيكون من الصعب أنْ نسبقها. لكنَّنا نستطيع أنْ نحافظ على شيءٍ آخرَ: قدرتنا على الشعور، وعلى التردُّد، وعلى التَّعاطف، وعلى أنْ نفهم أنَّ بعض القرارات لا يكفي أنْ تكون صحيحةً، بل يجب أنْ تكون إنسانيَّة أيضًا.
أنْ نستمع إلى شخصٍ لا نملك له حلًّا، فقط لأنَّه يحتاج إلى مَن يسمعه.
أنْ نحتفظ بصورة قديمة لا قيمة لها في نظر الآخرين، لكنَّها تختصر عندنا سنوات كاملة.
أنْ نسامح، أو نشتاق، أو نعود إلى مكان لم يعد كما كان، فقط لأنَّ شيئًا في داخلنا ما زال متعلِّقًا به.
هذه الأشياء لا تُقاس بسهولةٍ، ولا تحتاج إلى خوارزميَّة؛ لكي تمنحها قيمتها. لذلك ربما لا يكون السؤال الذي ينبغي أنْ يقلقنا: هل ستتفوَّق الآلة على الإنسان؟ السؤال الأهم هو: هل سنسمح لها، من دون أنْ نشعر، أنْ تعيد تعريفَ الإنسان؟
إذا حدث ذلك، فلن تكونَ خسارتُنا لأنَّ الآلة أصبحت أكثر ذكاءً منَّا، وإنما لأنَّنا تخلَّينا نحنُ عن الأشياء التي جعلتنا بشرًا. فالآلةُ يمكن أنْ تتعلَّم كيف تفكِّر. أمَّا نحنُ، فعلينا ألَّا ننسى كيف نشعرُ.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store