لمقاتلة إف-35، التي ستنضم إلى أسطول قواتنا الجويَّة قريبًا -بمشيئة الله-، مكانة خاصَّة بين الطائرات الحربيَّة في العالم، وتستحقُّ تفاصيلها سلسلة من المقالات. تحمل الطائرة اسم لايتنِنغ 2، بمعنى «البرق 2»، إحياءً لإرث مقاتلة لوكهيد بي-38 لايتنِنغ الأمريكيَّة، التي أدَّت دورًا بارزًا في الحرب العالميَّة الثانية. وبالنسبة إلى قواتنا الجويَّة الباسلة، يُعيد الاسم إلى الذاكرة المقاتلة الاعتراضيَّة البريطانيَّة لايتنِنغ من إنتاج شركة «إنجلش إلكترك»، التي خدمت في قواتنا في الفترة 1966 إلى 1986، وكانت تلك الطائرة الاعتراضيَّة النفَّاثة الأسرع من الصَّوت سابقةً لعصرها.
لا تتميَّز إف-35 بسرعتها القُصوى العالية، التي تصل إلى حوالى ألفي كيلومتر في الساعة، فمقاتلات إف-15، والتايفون، والتورنيدو في أسطول قواتنا الجويَّة المتميِّزة تستطيع منافستها، أو التفوُّق عليها في بعض جوانب السُّرعة والحُمولة والمُناورة. غير أنَّ قيمة إف-35 لا تقوم على عامل منفرد، بل على تكامل خصائص التخفِّي ودمج بيانات المستشعرات، والوعي الميدانيِّ، والاتِّصال بالمنظومات الأُخرى، والذكاء، وكأنَّها قوات خاصَّة في الجو. ويُعدُّ خفض البصمة الراداريَّة من أهم مميِّزاتها؛ فالتخفِّي لا يعني الاختفاء التَّام من شاشات الرادار، وإنَّما تقليل قابليَّة الرَّصد؛ بفضل شكل الهيكل، ومواده، وطريقة حمل الأسلحة، بما يساعد الطَّائرة على الاقتراب من أهدافها، وتقليل تعرُّضها لوسائل الدفاع الجويِّ والطَّائرات المُعادية. وتتأثَّر البصمة الرَّاداريَّة بعوامل متعدِّدة، منها شكل الجسم، وزواياه، ومواده، واتجاهه بالنسبة إلى الرادار، ولذلك لا تكفي مقارنة الحجم وحده لتقديرها، كما أنَّ الأرقام المتداولة عنها تقريبيَّة وتتغيّر باختلاف ظروف القياس. وكمثال فبصمة الرجل تصل إلى ما يترجم كمتر مربع، وتظهر بصمة مقاتلة الـ»إف 15» العملاقة بشكل ملحوظ، وأمَّا بصمة الـ»إف 35» فتظهر وكأنها كرة صغيرة تقدَّر بما يعادل حجم قطعة حلوى اللدو.
وتضم إف-35 منظومة متقدِّمة من المستشعرات المدمجة، ومن أبرز مكوِّناتها خوذة الطيار، التي تُضبط لكل طيار، وترتبط بحواسيب الطائرة، وكاميراتها، ومستشعراتها، وأنظمة التصويب والملاحة؛ ليصبح الطيَّار والطَّائرة وحدةً قتاليَّةً متكاملةً. وهذه من سِّمات مقاتلات الجيل الخامس، فهي ليست طائرات فحسب، بل منصَّات للقتال، والاستطلاع، والمراقبة، وإدارة المعلومات، والتواصل مع منظومات الدفاع والهجوم المختلفة. كما صُمِّمت قمرة القيادة لتقليل عبء العمل على الطيَّار، بالاعتماد على شاشة عرض كبيرة، وواجهات تحكم مدمجة بدلًا من كثرة المفاتيح والأزرار التقليديَّة، بما يُيسِّر تنفيذ المهام القتاليَّة، وإدارة أنظمة الطَّائرة. وتلك المفاتيح والأزرار أقل ممَّا يوجد في سيارتي التويوتا.
جدير بالذِّكر أنَّ من أُوليات طائرات التدريب النفَّاثة في قواتنا الجويَّة كانت من طراز تي 33 الشَّهيرة باسم «تي بيرد»، من صناعة لوكهيد، وقد تتلمذ عليها الروَّاد الأوائل الأفاضل من طيَّاري الوطن، بدءًا من 1958 إلى 1974. يعني جينات لوكهيد متأصِّلة في تاريخ قواتنا المجيدة.
أمنيـــــــة
بحمدِ اللهِ وفضلهِ تتمتَّع قواتُنا الجويَّة اليوم بأحدث أسطولٍ جويٍّ قتاليٍّ في المنطقة. أتمنَّى أنْ نتذكَّر أنَّ أهمَّ معيارٍ لقياس قوة القوات الجويَّة لا يعتمد على أعداد وطرازات طائراته ومعدَّاته، ففي المقام الأوَّل يعتمد على سواعد وعقول وقلوب المُخلصين الذين يعملون بهدوءٍ ودقَّةٍ وانضباطٍ؛ لتأمين حماية بلادنا -بمشيئة الله وتوفيقه-، وهُو مِن وَراء القَصدِ.