امتزجت عراقة الماضي ببهجة الحاضر في قلب جدَّة التاريخيَّة (البلد)، حيث تلاحمت أصداءُ الاحتفالات باليوم الوطنيِّ السعوديِّ، مع الأجواء الحماسيَّة لانطلاق بطولة كأس الخليج العربيِّ لكرة القدم «خليجي 27»، التي تُقام في جدَّة هذه الأيام.
وتحوَّلت «جدَّة التاريخيَّة» المنطقة المُدرجة ضمن قائمة التراث العالميِّ لليونسكو، إلى ملتقى ثقافيٍّ وفنيٍّ ورياضيٍّ نابضٍ بالحياة، يجمع الأشقاءَ الخليجيِّين والزوَّار في كرنفالٍ وطنيٍّ استثنائيٍّ، يعكس حضور البطولة خارج أسوار الملاعب، وينبض بالروح الأخويَّة والأصالة الحجازيَّة.
هوية وطنية بروح خليجيةشهدت «جدَّة التاريخيَّة» لوحةً احتفاليَّة متكاملة الأركان، ففي الوقت الذي كانت الساحات التاريخيَّة تتزيَّن باللَّون الأخضر، والأعلام السعوديَّة؛ احتفاءً باليوم الوطنيِّ، كانت جماهيرُ ومشجِِّعُو المنتخبات الخليجيَّة المشاركة في «خليجي 27» تتوافدُ لمشاركة المملكة فرحتها الوطنيَّة الغالية.
وحضرت ألوانُ قمصان وأعلام المنتخبات الخليجيَة في أزقَّة المنطقة وممرَّاتها التراثيَّة؛ لتشكِّل مساحةً فريدةً للتلاقي الأخويِّ، وتجمع بين أجواء المنافسة الرياضيَّة الطَّموحة، والحضور الثقافيِّ والاجتماعيِّ الدافئِ.
من الإبداع إلى النغمتوزَّعت الأنشطةُ الإبداعيَّة والتراثيَّة؛ لتغطِّي كافَّة اهتمامات الزوَّار والجماهير الرياضيَّة، عبر مواقع متعدَِّدة صِيغت بروح الفنِّ والأصالة:
*
متحف طارق عبدالحكيم: ركَّز على الجيل الناشئ، والعائلات، عبر تقديم ورش موسيقيَّة تفاعليَّة مجانيَّة دمجت بين التعلُّم والمرح والإبداع الموسيقي.
*
متحف البحر الأحمر: احتضنَ عروضًا موسيقيَّة حيَّة صاغت ألحانَ الوطن، إلى جانب ورش عمل ثقافيَّة جذبت المهتمِّين بالإرث البحريِّ والتاريخيِّ.
* «
زاوية 97»: قدَّمت تجارب تفاعليَّة مميَّزة، شملت التصوير الفوري لتوثيق ذكريات الزوَّار، وورشًا للحِرف اليدويَّة التقليديَّة، وعروضًا موسيقيَّة متنوِّعة.
*
فعاليَّات «أثر»: أتاحت للزوَّار مساحة بصريَّة وفنيَّة راقية، من خلال المعارض الفنيَّة، والأعمال النحتيَّة المعاصرة، وعروض التصوير الفوتوغرافيِّ.
كرم الضيافة وأصالة الموروثوحضرت أبعاد الضيافة السعوديَّة الأصيلة، حيث استُقبل زوَّار وجماهير البطولة بالقهوة السعوديَّة والتُّمور، مصحوبة بعروضٍ شعبيَّة وفلكلوريَّة حيَّة، أحيت الموروث غير الماديِّ للمنطقة، وجعلت من الممرَّات التراثيَّة والأسواق الشعبيَّة مسرحًا مفتوحًا يحتفِي بالجميعِ، ويعكس قيم الجودِ والكرمِ الأصيلِ.
ليالٍ تراثية منتعشةأضفت الجماهيرُ الخليجيَّةُ حركةً نشطةً واستثنائيَّة على جدَّة التاريخيَّة، خصوصًا خلال الفترة المسائيَّة؛ حيث أدرج المشجِّعُون استكشاف «البلد» كجزءٍ أساسٍ من برنامج زيارتهم اليوميِّ عقب انتهاء المباريات.
وتوزَّع الزوَّار بين محال المنتجات التراثيَّة والهدايا التذكاريَّة، والمطاعم، والمقاهي؛ تذوَّقُوا خلالها المأكولات المحليَّة، وتعرَّفُوا على الموروث العمرانيِّ للمنطقة.
وتفاعلًا مع هذا الإقبال الكبير، مدَّد عددٌ من المتاجر والمقاهي ساعات العمل المسائيَّة لاستيعاب الأعداد المتزايدة؛ ممَّا أسهم في تنشيط الخدمات المحليَّة، ودعم الأنشطة التجاريَّة والسياحيَّة بشكل ملحوظ.
ولأنَّ عروس البحر الأحمر كانت محطَّ أنظار العالم العربيِّ، استضافت المنطقة التاريخيَّة أستوديوهات قنوات فضائيَّة، ومنصَّات بارزة، كما استقبلت نخبة من الإعلاميِّين والرياضيِّين الخليجيِّين والعرب؛ ممَّا ساهم في نقل النبض الحيِّ للمدينة، وإبراز مخزونها الثقافيِّ، وربط الإثارة الرياضيَّة بالعمق الحضاريِّ لـ»بوابة الحرمَين الشَّريفَين».
العمارة الحجازية الفريدةشكلت المواقع التاريخيَّة، والبيوتات الأثريَّة بالمنطقة، المحطَّة الأبرز لوفود المشجِّعين القادمين من مختلف دول الخليج.
واستكشف الزوَّار العمارة الحجازيَّة الفريدة التي تفوح بالتاريخ، والرواشين الخشبيَّة التي تتميَّز بها مباني المنطقة؛ ممَّا أثرى تجربتهم السياحيَّة ومنحهم فرصة التعرُّف عن قُرب على هُويَّة المدينة الثقافيَّة، بالتزامن مع أجواء منافسات كرة القدم.
مستهدفات جيل الرؤيةتترجم هذه الفعاليَّات والحِراك المشترك، جهود وزارة الثقافة السعوديَّة في إحياء جدَّة التاريخيَّة، وصون تراثها الماديِّ وغير الماديِّ.
ونجحت الوزارة في تحويل الساحات والبيوت الأثريَّة إلى مراكز إبداعيَّة واقتصاديَّة حيَّة؛ ممَّا يعزِّز مكانة جدَّة كوجهةٍ دوليَّةٍ رائدةٍ تجمع بين الثقافة والفنون والرياضة، بما يتماشى مباشرةً مع مستهدَفات رُؤية السعوديَّة 2030 والإستراتيجيَّة الوطنيَّة للثقافة.
انطباعات خليجية: «جدة التاريخية تختزل عبق الماضي وأصالة الحاضر»وفي جولة لـ «المدينة» بين أزقة «البلد»، عبَّر عددٌ من الجماهير الخليجيَّة عن بالغ إعجابهم وانبهارهم بما شاهدُوه من إرثٍ عريقٍ، وتراثٍ أصيلٍ.
وأكَّد مشجِّعُون قادمُون من البحرين والكويت والإمارات وعُمان أنَّ زيارة جدَّة التاريخيَّة منحتهم تجربة استثنائيَّة تجاوزت شغف كرة القدم، حيث أشادُوا بجَمَال الرَّواشين الخشبيَّة، وحُسن الحفاظ على المباني الأثريَّة التي تفوحُ بعبق التاريخ، معبِّرين عن دهشتهم من التمازج السَّاحر بين كرم الضيافة السعوديَّة، والأنشطة الترفيهيَّة الحديثة؛ ممَّا جعلهم يشعرُون وكأنَّهم في بيوتهم، وبين أهلهم.