هذه العبارة تُنسب للشاعر الفلسطيني «محمود درويش»؛ الذي عمل صحفياً في صحيفة الأهرام المصرية، أستعيرها هنا بما يحقق أهداف قائلها أمام أي سيرة تُروى؛ أو تجربة إنسانية ووطنية تبقى حاضرة في الذاكرة، محاولة لفهم ما الذي أبقاهم حاضرين بعد أن غابوا.
وقد كان الصديق الأستاذ عبدالله أبوملحة - يرحمه الله- في طليعتهم، الرجل الذي لا تتغير مواقفه بتغير الظروف، ولا تتبدل قِيَمُه بتبدُّل المواقع، له صفات الإخلاص والوفاء، ويعمل دوماً في صمت لتقديم المصلحة العامة على كل اعتبار.
من أهم سماته أنه لا يبحث عن الأضواء، ولا يسعى إلى أن ينسب الإنجاز إليه، بالقدر الذي يحرص على أن يتحقق الإنجاز نفسه.
كان آخر لقاء معه في الرحلة الشتوية التي يقيمها مضيفنا الدكتور زياد السديري كل عام، حيث أمضينا ثلاثة أيام في جازان، تعرفتُ خلالها بعمق على هذه القامة بإرثها الأخلاقي والثقافي، وغادر زملاؤنا إلى الرياض، ومكثنا معاً في مطار جازان أربع ساعات، إلّا أن ابنه اللواء أسامة مدير الجوازات بجازان قام بنا بجولة على كورنيش جازان المتميز، واحتسينا القهوة ثم تناولنا الغداء معاً إلى أن حان وقت رحلة جدة، حيث سعدتُ بصحبته وتبادُل الأحاديث الودية معه، والتعرف على خبراته الطويلة في العمل التنموي، وخدمة المجتمع بكل الصور المتاحة آنذاك، ومساهمته الفاعلة في تأسيس صحيفة الوطن، ومبادرات وطنية عديدة تُسجل له بأحرف من نور.
ويبدو أن هذه العائلة الكريمة امتدت جذورها وعملها الوطني من عهد الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه، والملوك الذين خلفوه.
وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى أحد رجالات هذه الأسرة، وهو اللواء سعيد أبوملحة يرحمه الله، ومواقفه النبيلة ومروءته ووقوفه مع أصحاب الحاجة أياً كان نوعها، ليترك الأثر الطيب بعد رحيله، وقد سعدنا بانضمام ابنه الأستاذ محمد سعيد أبوملحة إلى مجلس إدارة جمعية البر بمحافظة جدة، ليضيف بعداً آخر في إدارة العمل التطوعي.
أما الأخ الدكتور عبدالله صادق دحلان وهو يرد على أحد الزملاء في عضوية مجلس أمناء جامعة الأعمال والتكنولوجيا عن استفساره بوجود مقعد شاغر في المجلس، بأن هذا المقعد يخص الأستاذ عبدالله أبوملحة - أسكنه الله الجنة-، وكرر هذا الموقف في أعقاب وفاة العضو الدكتور عبدالله المعطاني يرحمه الله.
وأختم بإيجاز عمَّا سطره معالي الأخ الدكتور سعد محمد مارق بعنوان (عبدالله أبوملحة.. الحضور بالأثر). ولعل بعض ما ذكر هنا مستوحى مما كتبه عن هذه القامة، وأستشهد بما رواه عن الأمير متعب بن عبدالله في مجلس عزاء الأستاذ أبوملحة حين قال: إن الملك عبدالله بن عبدالعزيز - يرحمه الله- عندما رأى عبدالله أبوملحة في مجلس الاستقبال، بادره بالسؤال: ماذا لديك؟، جاء ذلك تعبيراً عن ثقة تراكمت عبر سنوات، لمعرفته أنه لا يأتي في أمر شخصي، وكأنه يريد أن يقول: ماذا تحمل للوطن اليوم؟.
رحل عبدالله أبوملحة، وبقيت السمعة الطيبة والأثر النافع، فالشكر والامتنان له ولكل الرجال الذين جعلوا خدمة وطنهم رسالة.