ارتبطت كلمةُ الذَّوق (بالتذوُّق للطَّعام)، والذي يتمُّ عن طريق استشعار الإحساس باللِّسان، ولكن لدقَّة ذلك، وتمييز الطيِّب من الغَثِّ، أصبحت كلمةُ ذوق تستعمل للتَّعبير عن السلوكيَّات المقبولة، بل السمو في التَّعامل والتَّرقي في مراتب الإنسانيَّة عند التَّواصل مع النَّاس. وأصبحت الآن علمًا يُدرَّس وهُو: (الإتيكيت)، وهي كلمةٌ فرنسيَّةٌ تعني (البطاقة)، ثمَّ تطوَّر اللَّفظ فأصبح يشمل السلوكَ الذي يحقِّق الانسجام والمودَّة بين النَّاس، والتصرُّف السَّليم في المواقف، وممَّا يحقِّق الاحترام، وتقدير الذَّات والآخرِين. وهو يرتبط -إلى حدٍّ كبيرٍ- بتقاليد المجتمع؛ لأنَّه يخضعُ لعلاقات إنسانيَّة قد تكون أساسيَّة في مجتمع ما، بينما مستهجنة في مجتمعٍ آخرَ.
والإتيكيت يرتبطُ بالجَمَال، فحتَّى ملكات جَمَال الكون يخضعنَ لاختبارات سلوكيَّة؛ لأنَّ الأناقة لا تكتملُ إلَّا بالرقيِّ في التَّعامل؛ فترتبط أناقةُ المظهر بأناقةِ السلوكِ.. والحقيقة أنَّه إذا كان الإتيكيت عِلمًا يُدرَّس، فإنَّه وقبل ١٤٤٨ سنة، قد جاء به محمد بن عبدالله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- حينمَا قال: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارَمَ الأَخْلَاقِ)، فجميعُ الشرائعُ السماويَّة جاءت بالعبادات، ولكنَّها لم تحقِّق مقوِّمات حُسن الخُلق.. وهاجت وماجت التَّعاملات حتَّى وصلت الإنسانيَّة إلى فوضى قيميَّة هدَّدت قواعد الصحَّة النفسيَّة والجسديَّة والاجتماعيَّة.
ولكنَّنا -بحمدِ الله، وبشريعتِنا الغرَّاء- قد تجاوزنا ذلك في التَّواصل الإنسانيِّ، ووصلنا إلى (الأدب)، أو التأدُّب بالممارسة، فإذا كان العلمُ لغةَ العقلِ، فإنَّ الأدبَ أو التأدُّب لغةُ المشاعرِ والعاطفةِ، ولا تأتي إلَّا بالممارسة العمليَّة، وذلك بمجاهدة النَّفس على الأخلاقِ الحَسنةِ، والطِّباع المرنةِ، والقُدوةِ الطيَّبةِ، حيث يتعلَّم الإنسانُ من مجالسةِ أهل الفضل ومراقبة تصرُّفاتِهم.
ونتيجة لعولمة المجتمعات، وظهور علاقات جديدة، فإنَّنِي أرغبُ بالتحدُّث عن (ذوقيَّات المناسبات)، فمن الذَّوق إرسالُ الدَّعوةِ قبلَ فترةٍ مناسبةٍ، حتَّى يكون لكلّ شخصٍ الوقت الكافِي لترتيبِ مواعيدهِ، سواء كانت الدَّعوة ببطاقةٍ، أو دعوة نصيَّة تُرسل عن طريق وسائل التَّواصل الاجتماعيِّ، فرديَّة أو جماعيَّة، محدَّد فيها موضوعُ الدَّعوة، والتَّاريخ، والوقت، والعُنوان.. وفي المقابل، من الذَّوق لمَن استلمَ الدَّعوة تأكيدَ الحضورِ أو الاعتذار بما لا يقلُّ عن الأسبوع من موعد الدَّعوة، وبأسلوبٍ لطيفٍ يعبِّر عن تقديرهِ وشكرهِ للدَّعوة.. أمَّا الصَّمتُ، وعدمُ الردِّ، وعدمُ الحضورِ، فهو إهانةٌ لصاحب الدَّعوة، بل ربَّما باعتذارهِ يكون هناك متَّسع لدعوةِ أشخاصٍ آخرِينَ.. كما أنَّ التزام المدعوِّ بالوقتِ المُحدَّد للحضورِ مهمٌّ، وأخذُ هديةٍ بسيطةٍ للمُضيفِ وبدون تكاليف مبالغة، هو تعبيرٌ عن الحبِّ والصداقةِ، وأنْ تكون لغةُ الجسد تحترمُ الأخرِين، ومنها وضعيَّة الجُلوس، فوضع رجلٍ علَى أُخْرى، ورفعُهَا في وجهِ الآخرِ ليسَ من الذَّوق.
وأمَّا بالنسبة لأهمِّ الذوقيَّات في العَزَاء، فبالرغم من أنَّه أصبحت بعضُ التَّعزية عن طريقِ وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ، ولكنَّها تعتمدُ على العلاقة، وضرورة الذهاب للشَّخص الذي يعزُّ عليه -خاصَّةً إذا كانَ في نفس المدينة- في الأيَّام المحدَّدة للعزاء.. كما أنَّ اختيار الملابس الملائمة للمناسبة أمر واجب، فليس العزاء مكانًا لاستعراض الماركات، ولبس المجوهرات، بل ما ظهر مؤخرًا من بعض السيدات والفتيات من وضع مساحيق الزينة، لا يليق، فأهل الميت قلوبهم منكسرة، وخواطرهم مجروحة، فمن باب الذوق مراعاة مشاعرهم.
كما أنَّ تكرار المجيءِ يوميًّا ليس من الضَّرورة، وفيه مزاحمة للنَّاس، ومشقَّة على أهل الميِّت.. وعلى المعزِّي ألَّا يطيل الوقت في العَزَاء؛ لإفساح المجال للآخرِين.
ومن الذَّوق للمقرَّبين من أهل الميِّت صُنع طَعامٍ لهم، حيث قالَ الرسولُ الكريمُ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «اصْنَعُوا لِآلِ جَعفر طَعَامًا فَقَدْ أَتَاهُم مَا يَشْغُلُهُم»، ولكنْ يتم ذلك من دونِ مبالغةٍ في موائدَ يتكلَّفُها البعضُ للتفاخرِ والمظاهرِ.
هذا جزءٌ يسيرٌ من ذوقنا الإسلاميِّ، وإلَّا فالقرآنُ الكريمُ كلُّه ذوقيَّاتٌ، وما أجمل وصفهِ تعَالى للرَّسولِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، بل أفردت (سورة لقمان) أجمل المعاني في الإتيكيت الإسلاميِّ.. فهل نتأمَّل تلك المعانِي السَّامية في الأخلاقيَّات ونطبِّقها؛ لنصل إلى الجَمَال والسموِّ الإنسانيِّ؟.