علينا واجبٌ مهنيٌّ وإعلاميٌّ بحُكم التخصُّص، وما قضيناه في دراسة الإعلام وصناعته، وما أمضيناه من عمر في مهنة الإعلام بمختلف مراحلها؛ ولذلك لنا قراءة متخصِّصة ومتأنِّية للمشهد الإعلاميِّ، بعد منحه الوقت الكافي للتقييم.
نحن أمام نموذجٍ اتصاليٍّ وتسويقيٍّ قدَّمه لنا أحد بنوكنا السعوديَّة، حيث لم يخسر مباراة أمام النصر، ولم يكن طرفًا في الملعب، لكنَّه وجد نفسه بعد صافرة النهاية داخل مباراة أخرى، مباراة على منصَّة «إكس»، بدأت بتغريدة، وانتهت بجدل واعتذار.
هذه الواقعة، بعيدًا عن نتيجتها الرياضيَّة، تطرح سؤالًا أكبر من التغريدة نفسها: هل تستطيع المؤسَّسات أنْ تقترب من لغة الجمهور من دون أنْ تفقد لغة المؤسَّسة؟ وهل كان الاعتذار مقنعًا ومهنيًّا، وخفَّف شيئًا من الخسارة؟
في السنوات الأخيرة، تغيَّرت قواعد الاتِّصال المؤسَّسي، فلم تعد العلامات التجاريَّة تكتفي بالإعلانات الرسميَّة، والبيانات المُصاغة بعناية، بل أصبحت تتحدَّث مع الجمهور لحظةً بلحظةٍ، وتشارك في المناسبات والأحداث، وتستخدم لغةً أكثر خفَّة وقربًا. وهذا التحوُّل مفهوم، بل ربما أصبح ضرورةً في بيئة رقميَّة تتنافس فيها المؤسَّسات على الانتباه.
لكنَّ القرب من الجمهور لا يعني بالضَّرورة النزول إلى كل مساحة من مساحات التنافس الجماهيريِّ.
التغريدة التي نشرها حساب البنك عقب خسارة النصر أمام العين الإماراتي، ثم حُذفت وتبعها اعتذار، تقدم مثالًا واضحًا على المسافة الدقيقة بين التفاعل الذكي، والتفاعل الذي قد يضع المؤسَّسة في موقف لم تكن تقصده.
فالحساب الرسمي ليس حسابًا شخصيًّا لمن يديره. وراءه اسم تجاري، وسمعة بُنيت على سنوات، وعملاء وشركاء وجمهور متنوِّع. وما قد يبدو طريفًا أو عابرًا في حساب فرديٍّ، يمكن أنْ يُقرأ بصورة مختلفة عندما يصدر عن مؤسسة كبرى.
وهنا لا تكمن القضيَّة في رفض المزاح أو الدعابة، فالمحتوى المؤسَّسي ليس مضطرًا لأنْ يكون جافًّا أو تقليديًّا. المشكلة تبدأ عندما تتحوَّل الرغبة في صناعة التفاعل إلى تجاوز للحدود التي ترسمها هُويَّة المؤسَّسة.
والسؤال الذي ينبغي أنْ يسبق كل منشور ليس: كم سيحقق من إعجاب ومشاركة؟ بل: كيف يمكن أنْ يُفهم إذا خرج من سياقه؟
هذه النقطة تحديدًا أصبحت أكثر أهميَّة في عصر «إكس». فالمنصَّة لا تمنح المؤسَّسات دائمًا فرصة ثانية؛ قد تستغرق كتابة التغريدة ثواني، لكنَّ انتشارها خارج الحساب قد يستمر ساعاتٍ أو أيامًا. وحذفها لا يعني بالضَّرورة حذف أثرها؛ فلقطة شاشة واحدة قد تمنحها حياةً جديدةً في حسابات أخرى.
لذلك فإنَّ إدارة السُّمعة الرقميَّة لا تبدأ بعد الخطأ، وإنَّما قبله. تبدأ من اختيار مَن يدير الحساب، ومنحه التَّدريب والصَّلاحيَّات المناسبة، ووضع معايير واضحة للمحتوى، والأهم من ذلك كله: أنْ يعرف فريق التواصل متى يكون التفاعل مكسبًا؟ ومتى يكون الصمت أكثر مهنيَّة؟
المؤسَّسات الناجحة في المنصَّات ليست بالضَّرورة الأكثر صخبًا، ولا الأكثر مشاركةً في كل حدث؛ بل الأكثر قدرةً على معرفة شخصيَّتها، وحدودها، والجمهور الذي تتحدَّث إليه.
وربما يكون هذا هو الدرس الأهم: في الإعلام الرقميِّ، ليست كل تغريدة فرصةً لصناعة التفاعل، وبعض التغريدات قد تتحوَّل إلى اختبار للسمعة.
فالمؤسَّسة قد لا تخسر مباراة في الملعب، لكنَّها قد تدخل مباراة أخرى لا تحتاجها.. بمجرد أنْ تضغط «نشر».