لم يعد الهاتفُ مجرَّد وسيلةٍ نتَّصل بها عند الحاجة، أو جهازًا صغيرًا نحملهُ في جيوبنا، بل أصبحَ حاضرًا دائمًا في تفاصيل حياتنا، يستيقظُ معنا، ويجلسُ إلى موائدنا، ويرافقنا في زياراتنا، ويدخل معنا غرف النَّوم، وربَّما كان آخر ما نراه قبل أنْ ننام، وأوَّل ما تمتدًّ إليه أيدينا حين نستيقظ.
لقد أصبح الهاتف، من حيث لا نشعر، فردًا من أفراد العائلة، له النصيب الأكبر من وقتنا، ويحظى باهتمام قد لا يحظى به أقرب النَّاس إلينا.
تأمَّلوا بعض مجالسنا العائليَّة اليوم: الأب يتابع هاتفه، والأم منشغلة بهاتفها، والأبناء غارقُون في أجهزتهم، والجميعُ يجلسون في مكانٍ واحدٍ، لكن كل واحد منهم يعيش في عالم بعيد. اجتمعت الأجسادُ، وتفرقَّت الأرواحُ، وأصبح الصمتُ سيَّد المكان، لا لأن الحديث قد انتهى، بل لأنَّ الشاشات استحوذت على الانتباه.
نحن نتواصل مع البعيد، ونطمئن على من تفصلنا عنهم آلاف الكيلومترات، لكنَّنا قد نغفل عن مشاعر شخص يجلس إلى جوارنا. نعرفُ أخبار المشاهير وتفاصيل حياتهم، ولا نعرفُ ما يثقل قلب أحد أبنائنا، أو ما تحتاج إليه زوجاتنا، أو ما ينتظره آباؤنا وأمهاتنا من حديث واهتمام.
ولا شكَّ أنَّ الهاتف والتقنية قدَّما لنا خدمات عظيمة، فقد اختصرا المسافات، ويسَّرا الأعمال، وقرَّبا المعرفة، وأتاحَا لنا التواصل والتعلُّم وإنجاز كثير من شؤون الحياة. المشكلة ليست في الهاتف ذاته، وإنَّما في الطريقة التي سمحنا له بها أنْ يحتلَّ أوقاتنا ومجالسنا، وأنْ يتحوَّل من خادم لنا إلى متحكم في يومنا وعلاقاتنا.
لقد أصبح بعضنا يضيقُ بدقائق من الحوار العائلي، بينما يقضي ساعات يتنقل بين مقاطع لا تضيف إلى حياته شيئًا. وقد يشعر بالانزعاج إذا قاطعه أحد أبنائه، لكنَّه لا ينزعج من عشرات الإشعارات التي تقاطعه كل لحظة. والأسوأ أنَّ الطفل حين يرى والديه منشغلَين بهواتفهما، يتعلَّم بالسلوك قبل النصيحة، فكيف نطالبه بترك جهازه، ونحن لا نرفع أعيننا عن أجهزتنا؟
وقد لا تظهر آثار هذا الانشغال سريعًا، لكنَّها تتراكم بصمتٍ. يقلُّ الحوار، وتضعفُ الألفة، وتُخفى المشكلات، ويمضي الأبناءُ إلى فضاءات أخرى بحثًا عمَّن يسمعهم ويفهمهم. وعندما نكتشف المسافة التي نشأت بيننا وبينهم، قد نظنُّ أنَّها حدثت فجأةً، مع أنَّها بدأت من لحظات صغيرة متكرِّرة كان الهاتف فيها أهم من حديثهم.
بيوتنا لا تحتاج إلى مزيد من الأجهزة، بقدر حاجتها إلى مزيد من الحضور. تحتاج إلى أبٍ ينصتُ، وأمٍّ تحتضنُ، وأبناء يتحدَّثُون بحريَّة، ومائدة لا تزاحمها الشّاشاتُ. فالعائلة لا يجمعها سقفٌ واحدٌ فقط، وإنَّما تجمعها الكلمة والابتسامة والسُّؤال الصادق: كيف كان يومُكَ؟ وما الذي يسعدُكَ؟ وما الذي يزعجُكَ؟
ليس المطلوب أنْ نقاطع التقنية، أو نعيش بعيدًا عن العصر، فهذا غير واقعيٍّ، ولا يخدم حياتنا. المطلوب أنْ نعيد الهاتف إلى مكانه الطبيعيِّ: وسيلة نستخدمها، لا فردًا يشاركنا كل لحظاتنا، ويسرق منا أجملها.
يمكن لكلِّ أسرة أنْ تبدأ بخطوات بسيطة: وقت يومي بلا هواتف، ومائدة طعام لا تدخلها الأجهزة، وجلسة عائليَّة يتبادل فيها الجميعُ الحديث، واتفاق يحترمه الكبارُ قبل الصغار. فالقواعد التي لا يلتزم بها الوالدان لن يقبلها الأبناءُ، والقدوة الصَّامتة أقوى من عشرات النصائحِ.
ستظل التقنية جزءًا مهمًّا من حياتنا، ولكن يجب ألَّا نسمح لها بأنْ تصبح بديلًا عن الحياة نفسها. فالهاتف مهما كان ذكيًّا، لا يعوِّض دفء الحديث، ولا يقرأ الحزن المختبئ في العيون، ولا يمنح الطفل الشعور بالأمان، ولا يصنع بين أفراد الأسرة ذكريات حقيقيَّة.
فلنضع هواتفنا جانبًا بين حين وآخر، ولننظر في وجوه من نحب؛ فالأيام تمضي سريعًا، والأبناء يكبرُون، والآباء يرحلُون، واللَّحظات الجميلة لا تعود.
لنعُد إلى بيوتنا حقًّا، لا بأجسادنا فقط، فالعائلة التي تجمعها شاشة واحدة قد تتفرَّق، أمَّا العائلة التي يجمعها الحوار والمودَّة، فلا تفرِّقها الشاشاتُ.
* ومضة:
لا تجعلُوا هواتفَكُم أقربَ إليكُم من أهلِكُم؛ فالإشعاراتُ يمكنُ أنْ تنتظر، أمَّا لحظاتُ العُمرِ معَ مَن نحبُّ فقدْ لا تتكرَّرُ.