قبل أنْ يواجه طالوتُ وجنودُه جالوتَ، مرُّوا بنهرٍ جعله اللهُ اختبارًا لهم. أُبيح لهم أنْ يغترفُوا منه غرفةً بأيديهم، لكنَّ أكثرَهم شربُوا منه، كما يقولُ القرآنُ الكريمُ: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: 249]. لقد كان الامتحانُ في الالتزام بما طلبَ منهم اللهُ تعالى حين أصبح الشربُ متاحًا.
ثبتت الفئةُ القليلةُ عند النَّهر، ورغم قلَّة عددها، قالت: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 249]. لم تقل إنَّ قلتها تكفي للنَّصر، بل آمنت بأنَّ النصر من عند الله، وسألته الصَّبر والثبات: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ [البقرة: 250].
لا تعني كثرة النَّاس أنَّ رأيهم صحيحٌ دائمًا. يقول الله تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾ [الأنعام: 116]. فالآية تدعونا إلى ألَّا نتَّبع رأيًا لمجرَّد أنَّ كثيرين يرونه صحيحًا، بل أنْ نسأل عمَّا يقوم عليه من دليل. ويقول تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13]. في إشارة إلى أنَّ معظم من يمدحُون لشكرهم، هم في واقع الأمر قليلون، وليسوا كثرة.
ولكلِّ زمن نهره. قد يكون اليوم خبرًا يبثُّه النَّاسُ دون أنْ يتأكَّدوا منه، أو رأيًا نوافقُ عليه؛ لأنَّنا نخشى الاختلاف، أو خطأ نسكتُ عنه رغبةً في قبول الآخرين. في مثل هذه المواقف، نحتاجُ إلى أنْ نتمهَّل، ونسأل عن الدَّليل، ونقول ما نراه صوابًا بهدوءٍ. وقد تكون عبارة «لَا أعلمُ بعد» أصدقَ من مشاركة كلام غير موثوقٍ.
وليست الكثرةُ دليلًا على الصَّواب لمجرَّد أنَّ أصواتها أعلى. فقد يُردِّد بعضُ النَّاس رأيًا لم يفحصُوه، أو يسكتُون عن خطأ؛ خوفًا من مخالفة الآخرين. لكن نقد هذا السلوك لا يعني احتقارهم؛ فمخالفة الأكثريَّة ليست دومًا فضيلةً في ذاتها، مثلما أنَّ موافقتها ليست خطأً دائمًا. المهم أنْ نُفكِّرَ ونتدبَّرَ، ونطلبَ الحقَّ، ونقبلَ مراجعة أنفسنا، سواءٌ وقف معنا كثيرُون أم قليلُون.
هذا هو درسُ النَّهر: حين يدعونا الخُوف، أو الإغراء إلى الانجراف مع التيار والكثرة. فالمعنى العام والقصد المُراد: كُنْ من القليلِ، يقولُ تعَالَى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيْلٌ﴾ [هود: 40]، ولا تكنْ مع الكثير، يقول تعَالَى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: 103].