لا شكَّ أنَّ قيام الدَّولة بتقديم الخدمات للمواطن، يسهم بصورةٍ مباشرةٍ في التخفيف عليه، خاصَّة المواطن ذا الدخل المحدود، ويساعد كذلك في التحكُّم في التضخُّم وارتفاع الأسعار، ويسهم في التنمية الاقتصاديَّة بصورةٍ مباشرةٍ من خلال وجود الخدمة، وتفعيل تقديمها. ولا شكَّ أنَّ المستفيد الأكبر من ذلك هو المواطنُ، والاقتصادُ المحليُّ، خاصَّةً وأنَّه يساعدُ في التحكُّم في القيود التضخُّميَّة، ويدعم الجانب الإيجابيَّ الاقتصاديَّ، فتقديم الخدمات، ووجود متلقٍّ لها، ومستفيدٍ منها، سيساعد في تحريك وتنمية الاقتصاد، من خلال شراء هذه الخدمات، وقيام الدَّولة بتقديمها بعيدًا عن الربحيَّة وتحقيق التَّكلفة، دائمًا ما يكون له دورٌ إيجابيٌّ في تحديد الأسعار في السوق، وخفضها، بدلًا من ترك قوى السوق تحدِّدها بناءً على العرض والطَّلب، ولو حتَّى وجدت جهات رسميَّة تتحكَّم بالأسعار في الاقتصاد، لا شكَّ أنَّ هناك مَن سيجد الوسيلة والطريقة للالتفاف حولها.
ويدور الجدل بين التخصيص واستمرار تقديم الخدمات من طرف الدولة من باب الكفاءة التشغيلية، وتخفيف العبء عن الميزانية، ولكن هنا نتحدث عن أنَّ الخدمة تقدم بتكلفة للمواطن، وبالتالي ينظر للتخصيص على أنَّه تحويل الملكيَّة من يد الدولة -التي يهمُّها المواطن ورفاهيته- إلى القطاع الخاص الذي يهمُّه تحقيق الربحيَّة، ومعها تدخل عمليَّة التَّسعير وحجم الربحيَّة التي يسعى القطاع الخاص لجعلها أعلى ما يمكن، ومعها يبدأ التضخُّم في الدخول نتيجة لرفع الأسعار، وفي دوامة ليس لها نهاية، ولن يستفيد منها المواطنُ بصفةٍ مباشرةٍ، وإنَّما القطاع الخاص، الذي يُعدُّ همُّه الأساس تحقيق الرِّبح إلى أقصى حدٍّ، وتعظيم حقوق الملَّاك. وأين يكمن الحل في الخروج من معادلة الكفاءة، والتكلفة، وسعر الخدمة؟، سؤالٌ حيويٌّ ومهمٌّ وموجودٌ في معظم دول العالم، وهو الشَّركات والمؤسَّسات الخيريَّة التي تدير الخدمات بدلًا عن الدَّولة، فتحافظ بالتَّالي على الجانب الإنسانيِّ، وتبتعد عن جانب تعظيم الثَّروة، وزيادة الربحيَّة على حساب الفرد العاديِّ. كما أنَّ وجود هذا النوع من الشَّركات سيرفع من بُعدَي الجودة والكفاءة؛ لأنَّها تُدار بعقليَّة ماليَّة، وفي نفس الوقت يكون الهدف الأساس هو الاستمراريَّة من خلال التَّكلفة، وليس السِّعر. الأمر الذي يحقِّق لنا أهدافَ رُؤية ٢٠٣٠ من خلال مؤسَّسات القطاع المدنيِّ والخاص، دون توفُّر التضخُّم السِّعري للخدمات نتيجة لحرص البعض على تحقيق أقصى ربحيَّة ممكنة (تعظيم الربح)، استمرارًا لرخاء المعيشة للمواطن الذي هو «هدف الدَّولة الأوَّل».