تابعنا جميعًا واقعة رحلة فلاي دبي 1073، التي استقطبت اهتمامًا واسعًا، رغم تصدُّر أخبار الحروب والأزمات العالميَّة المشهد. وأودُّ التوقُّف عند جوانب بطوليَّة لم تنل -في تقديري- ما تستحقُّه من اهتمام. فقد تصدَّرت التََّغطيات رواية السبَّاك الإسرائيلي الذي أعلن، عبر منصَّات إعلاميَّة، أنَّه أسهم في إنقاذ الطَّائرة وركَّابها، بدعم من رئيس وزراء الكيان. وأؤكِّد أنَّ اختزال الواقعة في هذه الرِّواية يستدعي إعادة النَّظر. وفي المقابل، لم يحظَ الدور المهنيُّ للطاقم الإماراتيِّ المُساند، الذي قاد الطائرة المتضرِّرة بسلامة الله إلى مطار الأمير سلطان الدولي بتبوك، بإبرازٍ مماثلٍ. كما لم تُسلَّط الأضواء بما يكفِي على قدرة الطَّائرة نفسها على تحمُّل الأضرار.
والطَّائرة من طراز بوينج 737 ماكس، وهي من جيل حديث، يقوم على تصميم يعودُ إلى نحو ستين عامًا، وخضعت لتحديثات متعاقبة، حتَّى بلغت جيلها الرَّابع المطوَّر. وقد أسهمت بساطة أنظمتها وقوتها واقتصاديَّات تشغيلها في جعلها ثاني أكثر الطائرات التجاريَّة مبيعًا في العالم، ولا تزال نحو 9500 طائرة منها تعملُ حول العالم. وفي أكتوبر 2018، تعرَّضت طائرة من هذا الطِّراز لحادثٍ مميتٍ في إندونيسيا، ثمَّ وقعت في مارس 2019 كارثةٌ أُخرى لطائرة من الطِّراز نفسه، وللسَّبب ذاته، فتضرَّرت سمعة الطَّائرة، والشركة بأكملها.
أمَّا في واقعة فلاي دبي، فقد أظهرت الطَّائرة قدرةً كبيرةً على التحمُّل؛ إذ هوت؛ بسبب ما دار في قمرة القيادة، بسرعة تجاوزت الحد الهندسيَّ الأقصَى المسموح به، حتَّى انكسر نحو 70% من دفَّتها، وهو ضررٌ بالغُ الخطورة. ومع ذلك، تماسكتْ -بمشيئة الله- وواصلت الطَّيران حتَّى هبطت بسلامٍ في مطار تبوك. وبذلك، كانت الطائرة نفسها أحد أبطال الواقعة.
تقفُ وراء قصَّة رحلة فلاي دبي بطولاتٌ عديدةٌ، غير أنَّ فريق مطار تبوك يحتاج إلى مزيد من التَّقدير. عندما بدأت الواقعة، كانت الطائرة في الأجواء الأردنيَّة، وفي النِّطاق الجغرافيِّ لعدَّة مطارات: مطار الملكة علياء في المملكة الأردنيَّة الشقيقة، على بُعد 190 كيلومترًا؛ ومطار الملك حسين في العقبة، على بُعد 65 كيلومترًا؛ ومطار رامون الدولي في إيلات، على بُعد 50 كيلومترًا، وهو ثاني أكبر مطار في الكيان الصهيونيِّ. وعلى الرغم من تلك الخيارات، اختار طاقم القيادة مطار تبوك، الذي كان يبعد 210 كيلومترات. وكانت النتيجة ممتازةً بفضل الجاهزيَّة المهنيَّة الرفيعة في المطار؛ إذ وجَّه فريق إدارة الحركة الجويَّة الطائرة بسلاسةٍ وسرعةٍ حتَّى هبطت بسلامة الله، ثمَّ أُخليت من دون إصابات أو هلع. وعلى الرغم من الهجوم الصهيونيِّ المستمر على المملكة سياسيًّا وإعلاميًّا وثقافيًّا وحضاريًًا عبر السنين، قُدِّمت إلى جميع ركاب الطائرة رعاية إنسانيَّة شملت الخدمات الطبيَّة والماء والغذاء. كما أُجريت الاتِّصالات اللازمة لتسيير نقل الركاب إلى وجهتهم الأصليَّة، ولم تُسجَّل شكوى واحدة منهم بشأن طريقة التَّعامل.
أمنيـــة
يُعدُّ الاستعداد للحالات الطارئة من أهم معايير نجاح المطارات، وقد شهد العالم أنَّ السلطات السعوديَّة وفريق مطار تبوك أدُّوا دورًا متميزًا في تقديم الخدمات الجويَّة والأرضيَّة بمهنيَّة رفيعة المستوى، بما ضمن سلامة الركَّاب والطَّائرة في حالة فريدة. أتمنَّى أنْ تُوثِّق الإدارة المهنيَّة لهذه الواقعة ضمن إنجازات الطَّيران المدنيِّ السعوديِّ.
واللهُ من وراءِ القَصدِ.