لعلَّها من أشهر أغاني الفنَّان لطفي بوشناق (تونسي الجنسيَّة)، كتب كلماتِها الدكتور مازن الشريف، بينما لحَّنها الفنَّان لطفي بوشناق في مهرجان المدينة بتونس قبل أكثر من عقدين.
وقد التقيتُ بهذا الفنَّان في مطار الرِّياض قبل عامين، وهو مَن أفصحَ لي أنَّ الكلمات ليست له، وأنَّها جاءت في أعقاب الثَّورة التونسيَّة، وسقوط نظام زين العابدين بن علي، ونفى بأنَّ النشيد كان يستهدفُ المجتمع العراقيَّ -كما ظنَّ البعضُ- وتمَّ ذلك في أعقاب الخلافات السياسيَّة، والصِّراع على السُّلطة، فاشتهرَ هذا النَّشيد الذي كان من كلماتهِ المؤثِّرة حقًّا: «خُذوا المَناصِب والمَكاسِب.. لكنْ لَا تأخذُوا منَّا الوَطن». لا سيَّما وأنَّ حُلم المواطنِ البسيط ليس أنْ يصبحَ صاحبَ منصبٍ أو سلطةٍ، وإنَّما يريدُ أنْ يبقى له وطنٌ آمنٌ ومستقرٌّ.
كان هذا الفنَّان يبكي وهو يُردِّد تلك الكلمات، حتَّى أنَّ الرسالة تجاوزت تونس، إلى العالم العربيِّ كلِّه.
في سياقٍ مشابهٍ أشار الدكتور عبدالكريم بكار في مقالٍ له تحت عنوان: (خذُوا النفطَ واعطُونا الكِتابَ)، إلى ما كتبه «توماس فريدمان» في نيويورك تايمز تحت عنوان مشابهٍ هو: (حرِّرُوا الكتبَ واحجزُوا النفطَ) Pass the books .Hold the Oil، وقد وصف مقالَه بأنَّه يحبسُ الأنفاس، حيث يشيرُ فيه إلى أنَّ دولةً مثل تايوان حقَّقت معجزةً بشريَّةً؛ لأنَّها قرَّرت الحفر في عقول أبنائها؛ بحثًا عن الإبداع، بدلًا من الحفر في باطن الأرض، مدركِينَ أنَّ الإنسان هو الطاقة التي لا تنضب، خلاف الموارد الماديَّة الأُخْرى، وأشار إلى شيءٍ لافتٍ جدًّا، بأنَّ هناك دراسةً علميَّةً شملت 65 دولةً، كشفت عن علاقة عكسيَّة مرعبة: كلَّما زاد اتِّكالُ الدَّولة على الثَّروات الطبيعيَّة، سقطتْ مخرجاتُ التَّعليم لديَها في الهَاويةِ!.
كما هو معلومٌ أنَّ الوفرة الماليَّة المُفرطة قد تخلقُ أجيالًا «مستهلِكةً»؛ بدلًا من أنْ تكون مُنتجةً، والثَّراء -بكلِّ أسفٍ- يُولِّد الخمولَ لدى البعض.
يستشهدُ فريدمان كذلك ببعض الحقائق في طلبة سنغافورة، وفنلندا، واليابان، الذين لا يملكُون مواردَ، وكيف أنَّهم حقَّقوا المركزَ الأوَّل عالميًّا في المعرفة، ولهذا اختار د. بكار لمقاله عنوانًا مشابهًا لما قاله لطفي بوشناق.
ويلقي د. بكار الضوء في كتابه على ما سمَّاه مرحلة «التميُّز الحضاريِّ والقُدرة على صناعة المعلِّم القُدوة، وزرع الجديد في نفوس الأبناء»، ويؤكِّد أنَّ المعرفة والمهارات هي (عُملة المستقبل)، وأنَّ القويَّ اليوم هو مَن يملك ناصيةَ العلمِ، لا مَن يملك الذَّهب والفضَّة.