هناك مَن يتوهَّم -وربَّما كنتُ أحدَهم يومًا ما- أنَّ حياة المقرَّبين من حوله، لا يمكن أنْ تكتمل إلَّا بوجوده، فلا الطَّلعة تحلُو إلَّا بتعليقاتهِ الظَّريفةِ، ولا الضحكة تنبعُ من القلب إلَّا بقفشاتِهِ، ولا التحدِّي في البلوت يُمتِع إلَّا بلعبه، وترديد لزماتهِ، ولا الكبسة التي تُطبخ على النَّار لها طعم إلَّا بمشاركته، لكنَّ الحقيقة: أنَّه لا أحدَ يهتمُّ لغيابهِ، بل على العكس، الطَّلعة صارت أحلَى بدونهِ، وصار مادَّةً دسمةً للغيبةِ، يقطِّعُونَ فيها أوقات الرحلة الطَّويلة!!
لذا، يجبُ على الإنسان منَّا، أنْ لا يُعطي النَّاس أكبر من حجمها، وأنْ لا ينشغل بمدى تعلُّق الآخرِين به، وأنْ لا يظنَّ -للِّحظةٍ- أنَّ الحياة متوقِّفة عليه، يجب عليه أنْ يعيد ترتيب أولويَّاته، واضعًا نفسه بالمقدِّمة، وأنْ لا يكون كالشَّجرة، يمنح النَّاس الظِّلَّ والثَّمرَ، ثمَّ إذا ما ذبلت قطعُوها وتدفئُوا بحطبِها، يجب عليه أنْ يتعلَّم العيش بالطريقة التي يريدُها، لا التي يريدُها غيرُه، وأنْ يغدقَ الهدايا على نفسه، وأنْ لا يصبح أكبرَ همِّه (كيف الطَّلعة بدونِي)؟!
كثيرًا ما يمنحُ الإنسانُ منَّا، أثمنَ الأوقات والخدمات لأصدقائهِ، على حساب مشاغلهِ وارتباطاتهِ، وما إنْ يمرض، وتتدهور صحَّته حتى يتخلُّوا عنه، وكثيرًا ما يضحِّي بأقصى جهده وعاطفتهِ؛ ليخفِّف الضغوط عن زملائه، ويُبقي ملفَّاتهم نظيفةً، وما إنْ يُهمَّش وتُقلَّص صلاحيَّاته حتَّى يبدأوا بمحاربتهِ، وكثيرًا ما يسجِّل المواقف المشرِّفة؛ ليحافظ على أواصر اللُّحمة والقرابة، وما إنْ تفيضَ روحُه ويُوارَى جثمانُه، حتى يمدُّوا سُفر الولائم بعزائِهِ!!
خذُوا العبرة من ذلك المشجِّع، الذي أفنى عمرَه يطارد (الكورة) متعصِّبًا لفريقه، حتى أصابته نوبة قلبيَّة، ولم تتوقَّف مسيرة ناديه، ولا بطولاته برحيله. خذُوها من ذلك الموظَّف المُجتهد، الذي أنهكته المواظبةُ والإنتاجيَّةُ -حتَّى خارج ساعات الدَّوام الرسميَّة- وحين أُصيب بعجزٍ صحيٍّ ركنُوه وعيَّنُوا بديلَه، خذُوها من ذلك الزَّوج المُخلص، الذي وهب كلَّ وقته ومالهِ وصحتهِ؛ ليؤمِّن لزوجته أم عياله، الحياة الكريمة، فقط زعلت منه لأسبابٍ تافهةٍ، خلعتهُ!!
الذي ودِّي أقولُه: إنَّه طالما الإنسانُ بكامل صحَّته وعافيته، وبكامل منصبهِ ومسؤوليَّاتِه، وبكامل عطائهِ وتضحياتهِ، فالنَّاسُ راح تحبُّه وتجرِي وراءَه، لكنَّه مجرَّد ما يطيح، ويفقد بعضًا، أو كلًّا ممَّا يملكه، سيبدأ النَّاسُ يتخلُّونَ عنه، ويسعونَ لإيجاد بديلهِ، بمعنى أنَّ الحياة لم ولن تتوقَّف على وجودهِ، لذلك، حُبَّ نفسَكَ أكثرَ شيءٍ، وأغدقْ عليها الهدايَا القيِّمة، ورَوِّح عنها بالسَّفر والسِّياحة، عندها لنْ تحتاج لسؤالها: (كيف الطَّلعة بدوني)؟!