عندما يرسل شخصٌ رسالةً إلى قارَّة أخرى، أو يشاهد فيلمًا من منصَّة رقميَّة، قد يتخيَّل أنَّ البيانات تنتقل أساسًا عبر الأقمار الصناعيَّة، لكن الحقيقة أنَّ جزءًا هائلًا من الاتصالات الدوليَّة يمرُّ عبر كابلات الألياف الضوئيَّة الموجودة في قاع البحار والمحيطات.
تمتدًّ هذه الكابلات آلاف الكيلومترات، وتربط القارات، ومراكز البيانات، ومحطَّات الإنزال، وهي تحمل كميَّات ضخمة من البيانات الخاصَّة بالإنترنت، والخدمات السحابيَّة، والاتِّصالات، والمعاملات الماليَّّة.
وتوجد مسارات رئيسة في المحيط الأطلسي، تربط أمريكا الشماليَّة بأوروبا، بينما تربط كابلات المحيط الهادئ الولايات المتحدة بدول شرق آسيا مثل اليابان، وتايوان، والفلبين، كما تمثِّل منطقة جنوب شرق آسيا، والمحيط الهندي، والبحر الأحمر، والبحر الأبيض المتوسط طرقًا مهمَّة للاتصال بين آسيا وأوروبا وإفريقيا.
ومن المشروعات المعروفة عالميًّا 2Africa، وتُقدَّر التكلفة الإجماليَّة لإنشاء الكابل البحريِّ بحوالى مليار دولار أمريكي، ويُموَّل المشروع من خلال تحالف عالميٍّ يضم عددًا من شركات الاتِّصالات والتكنولوجيا، ويمتد هذا المشروع لمسافة تقارب 37,000 كيلومتر، ويهدف إلى توفير خدمات الاتِّصال لنحو 3 مليارات شخصٍ، ويُعدُّ المشروع من أكبر مشروعات البنية التحتيَّة للاتِّصالات البحريَّة في العالم، إذ يهدف إلى تعزيز الربط الرقميِّ بين إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، وزيادة سعة الإنترنت ودعم النمو المتسارع للاقتصاد الرقميِّ والخدمات السحابيَّة والاتِّصالات في المناطق التي يخدمها.
كما توجد مشروعات أُخْرى ضخمة تقودها شركات تقنيَّة واتِّصالات عالميَّة، نتيجة النمو الهائل في الحوسبة السحابيَّة والذكاء الاصطناعيِّ، لكن هذه الشبكة ليست محصنةً، فقد تتضرَّر الكابلات؛ بسبب مراسي السِّفن، ومعدَّات الصَّيد، أو الزلازل، والانهيارات البحريَّة، ولذلك أصبحت حماية الكابلات، وتنويع مساراتها قضيَّة اقتصاديَّة وإستراتيجيَّة.
واللَّافت أنَّ الكابل البحري نفسه قد يكون قريبًا في بعض أجزائه من قطر خرطوم الماء في الحديقة، لكنَّه يحمل أعدادًا هائلة من الألياف الدقيقة القادرة على نقل البيانات بسرعات كبيرة.
ومع ازدياد الذكاء الاصطناعيِّ، ومراكز البيانات، ستزداد الحاجة إلى هذه البنية التحتيَّة، فالاقتصاد الرقميُّ يحتاج إلى طرق لنقل البيانات، كما يحتاج الاقتصاد التقليديُّ إلى الطرق والموانئ.
إنَّ الإنترنت الذي نراهُ عالمًا افتراضيًّا له في الحقيقة بنية ماديَّة هائلة، تمتدُّ تحت المياه، وقد أصبحت هذه الكابلات شرايين أساسيَّة للحياة الاقتصاديَّة الحديثة.