قبل الخوضِ في مسارب موضوعنا اليوم، علينا أولًا أنْ نحدِّد مفهومَي المحبَّة والتَّقديس؛ ليتَّضح لنا المقصود بكلِّ واحد منهما.
فالحبُّ -للأسف الشديد- لازال البعضُ يجهلُون مفهومه الحقيقيَّ بكنههِ الواسعِ، حيث لازال الكثيرُ منهم يحصرُونه في بوتقةِ العلاقةِ الحميميَّةِ الضيَّقةِ التي تربط بين الرَّجل والمرأةِ، متجاهلِينَ مفهومه الواسع العظيم، المتمثِّل في حُبِّ اللهِ تعَالَى، الذي لَا تستقيمُ الحياةُ في الدُّنيا والآخرة إلَّا به، كما يتجاهل البعضُ حبَّ الأنبياءِ والرُّسلِ والأقرباءِ والأصدقاءِ وبقيَّة أفرادِ البشرِ، كما يتجاهلُون حبَّ الحيوانِ، والشَّجرِ، والأمكنةِ.
أمَّا التقديسُ، فتُعدُّ ممارستُه لغيرِ اللهِ شركًا، وحتّى نصل إلى تحديد هذا المفهوم الواسع، فلا بُدَّ لنا أنْ نعودَ إلى جذره اللُّغويِّ، وهو الفعل (قدَّسَ) والتي حدَّدت معناه المعاجمُ اللُّغويَّة بأنَّه: الطَّهارةُ، والتَّنزيهُ، والتَّعظيمُ، وهذه الثلاثيَّةُ لا تتوفَّرُ بمعناها الصَّحيح إلَّا في اللهِ -سبحانَهُ وتعَالَى-.
ولذلك نجد أنَّ ديننا الحنيف في تعاليمه الواردة في كتابه الكريم، قد حثَّتنا على حُسن المعاملة مع الآخرِين؛ لبناء مجتمعٍ فاضلٍ أيًّا كانت مللهم، وألوانهم، وأجناسهم، من خلال نشر المحبَّة، والوئام، والتَّسامح، والتَّكافل، والتَّراحم، وهذا ما يطلق عليه مكارم الأخلاق، أو القيم الفاضلة، قال تَعَالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، وقال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، فهذه صفة المتَّقين الذين قال اللهُ عنهم: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ). وقال رسولُنا الكريمُ -عليهِ أُصلِّي وأُسلِّم-: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتمِّمَ مَكارَمَ الأَخْلَاقِ) وآيات أُخرى كثر.
فالأخلاقُ الفاضلةُ، والسلوكاتُ الحَسَنةُ من سِمات المتَّقِين والمُحسنِين الذين أثنى الله عليهم في مَوَاطن عدَّة من كتابه الكريم. لكنَّ البعض -هداهم الله- وخاصَّةً أصحاب المذاهب، والشِّعب التي أراها أفرزتْ لنَا الكثيرَ من الانحرافات عن مضامين كتاب الله تعالى، والتى نهى اللهُ عنها في كتابه الكريم، حين قال: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)، وقال الله تعالى توضيحًا لطبيعة التَّعامل مع بقية البشر وأنَّ حكمهم لله سبحانه، كما في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)، فالإيمانُ بالله واليومِ الآخرِ، والعمل الصالح هي الأركانُ التي يقوم عليها هذا الدِّينُ العظيمُ، سواء كانوا يهودًا، أو نصارى، أو صابئين، أو مجوسًا، كما في آيةٍ أُخرى، وما نتج عن المذاهب والشِّعب من انحراف بالأُمَّة عن هذا المسلك العظيم، الذي حدد في كتاب الله، حيث تجاوز البعضُ في تلك المحبَّة، وبالغ فيها لبعض الشُّخوص حتى بلغُوا في ذلك حدَّ الشِّرك -أعاذنا الله وإيَّاكم- فقدَّسُوهُم وجعلُوهُم في مراتب ربانيَّة، كأنْ يطلبُوا منهم العونَ والشَّفاعةَ والحفظَ والتَّوفيقَ والنَّفعَ في أمورِ الدُّنيا والآخرة، وتناسوا أنَّ ذلك كلَّه يُعدُّ مِن أمرِ الله في عباده، وأنَّ مَن يفعل ذلك، فقد انحرفَ عن تعاليم الدِّين الرَّبانيِّ، ووقع في الذَّنب العظيم الذي لا يغفرهُ اللهُ تعَالَى، وهذا ما يُسمَّى بالتَّقديس المُحرَّم.
وما يدمي القلب حزنًا وألمًا أنَّ الكثير من أفراد أمتنا في ظلِّ تلك الثورة العلميَّة التي دخلت كلَّ بيت، وتوفَّرت لكلِّ فرد، إلَّا أنَّ البعض لازال يقدِّس غيرَهُ من البشر، وهُم بذلك لم يعتبرُوا بما وردَ في كتاب الله تعَالى من أوامرَ ونواهٍ، وحتى من العِبر التي أوردتها القصصُ القرآنيَّةُ في كتاب الله، وما آلت إليه تلك الأمم التي عذَّبها اللهُ تعالى؛ بسبب ما كانُوا يقومُون به من تقديس لبشرٍ، أو حجرٍ، أو شجرٍ.