منذ تعيين الأستاذ مازن بن تركي السديري رئيسًا لمجلس هيئة السُّوق الماليَّة في أغسطس الماضي، تابعتُ باهتمامٍ القرارات والمشروعات التنظيميَّة التي صدرت عن الهيئة، خصوصًا أنَّني تناولتُ في مقالةٍ سابقةٍ أوضاع سوق الأسهم، وهبوط أسعار عددٍ من الشركات، وبالأخص بعض الشركات التي طُرحت للاكتتاب بأسعارٍ مرتفعةٍ، ثمَّ فقدتُ نسبةً كبيرةً من قيمتها بعد الإدراج.
فقد أشار الأستاذ مازن إلى أنَّ الهيئة أعدَّت خطَّة عمل تنفيذيَّة لإطلاق إصلاحات خلال فترة لا تتجاوز 90 يومًا، بما يعكس إدراكًا للتحدِّيات والحاجة إلى التعامل معها بخطواتٍ عمليَّةٍ.
وتكتسبُ هذه الخُطوات أهميَّتها من مكانة السوق الماليَّة في الاقتصاد الوطنيِّ، فهي قناة للتمويل والاستثمار والادِّخار، كما أنَّ الثقة بها ترتبط بوضوح المعلومات، وكفاءة الأنظمة، وعدالة التَّعامل بين المشاركين، ومن هنا، فإنَّ ما يُطرح من إصلاحاتٍ يستحقُّ المتابعة والتَّقييم، مع التَّمييز بين ما صدر بصفته مشروعًا تنظيميًّا، وما أصبح نافذًا بالفعل.
في ملفِّ الطروحات الأوليَّة، من المهم التوقُّف عندما نُقل عن رئيس الهيئة من أنَّ ارتفاع نسبة التغطية وحده لا يكفي للحُكم على نجاح الطَّرح، وأنَّ أداء السَّهم بعد الإدراج يُعدُّ مؤشِّرًا مهمًّا ضمن مؤشرات التَّقييم، كما أُشير إلى العمل على إعادة تحديد مسؤوليَّات الأطراف المشاركة في الطرح والإدراج، بما يشمل المستشارين، ومديري الاكتتاب، والشركات المصدِّرة، وإلى إجراء تحقيقات في عدد من الطُّروحات السَّابقة.
ويتقاطع ذلك مع مشروع تحسين ممارسات الطُّروحات الأوليَّة الذي طرحته الهيئة لاستطلاع الآراء، ومن أبرز ما يتضمَّنه ربط طلبات المشاركة في بناء سجل الأوامر بالسيولة المُتاحة والقُدرة الفعليَّة على السَّداد، وتعزيز مسؤوليَّة متعهِّد التَّغطية، ورفع جودة المعلومات والتوقُّعات الماليَّة المُتاحة للمستثمرِين، وما دام المشروع لا يزالُ في مرحلة استطلاع الآراء، فمن الأدقِّ النَّظر إليه بوصفه توجُّهًا تنظيميًّا مقترحًا ستُدرس المرئيَّات بشأنه قبل اعتماد صيغته النهائيَّة.
ولا يعني انخفاض سعر سهم، بعد إدراجه بمفرده، أنَّ سعر الطَّرح كان غيرَ عادلٍ، إذ تتأثَّر الأسعارُ بأداء الشركات، وظروف الاقتصاد، والسيولة، وتوقُّعات المستثمرين، لكن تكرار الهبوط الكبير في بعض الحالات يبرِّر مراجعة منهجيَّات التَّقييم والإفصاح، وتحديد مسؤوليَّات الأطراف المهنيَّة بوضوح، والغاية من ذلك ليست إصدار أحكامٍ مسبقةٍ، بل تعزيز جودة الطُّروحات، واستخلاص الدروس من التجارب السابقة، مع إعلان ما يمكن إعلانه من نتائج في إطار الأنظمة.
وفيما يتعلَّق بمشاركة الأفراد، أشار الخبر إلى توجُّه الهيئة نحو زيادة حصتهم في الطًّروحات، مع طرح نسبة 30% بوصفها توجُّهًا أساسًا، وإمكانيَّة اختلافها في الاكتتابات الكبيرة، ومن المهمِّ توضيح أنَّ هذه النسبة ليست حصَّة ثابتة مطبَّقة على جميع الطُّروحات؛ فالتَّخصيصُ ينبغي أنْ يراعي طبيعة كل طرح وحجمه، وأنْ يوازن بين توسيع المشاركة وكفاءة التَّخصيص.
أمَّا التداولاتُ الخوارزميَّةُ، فقد أوضح رئيسُ الهيئة، بحسب الخبر، أنَّ الهيئة تتابعها للتأكُّد من توافقها مع الأنظمة، وتحقيق العدالة، وأنَّها ليست في مواجهة مع التقنية، وفي المقابل، يتضمَّن المشروع التنظيمي المطروح ضوابط رقابيَّة، من بينها سقف مقترح لمعدَّل الأوامر إلى الصفقات المنفذة، مع استثناء الأوراق الماليَّة ذات السيولة العالية جدًّا، ولا يزال المشروع قيد استطلاع الآراء، ومن المقرَّر أنْ يبدأ العمل بصيغته النهائيَّة بعد اعتمادها اعتبارًا من الأوَّل من نوفمبر 2026.
ومن الموضوعات التي تلامس المستثمر مباشرةًً، مشروع لقاءات مناقشة الأرباح، وتقترح الهيئة أنْ تعقد الشركات المُدرجة في السوق الرئيسة لقاءين سنويًّا؛ لمناقشة نتائجها، وأنْ تتيح للمستثمرين الاطِّلاع على العرض، واللقاء المسجل، وإذا اعتُمدت هذه الأحكام، فستدعم وصول المعلومات إلى المساهمِين، وتمنحهم فرصة أفضل لفهم أداء الشركات وتوقُّعاتها.
وفي ملف إقراض الأوراق الماليَّة، عمَّمت الهيئة في 30 سبتمبر على مؤسَّسات السُّوق الماليَّة ضرورة الالتزام بالمتطلَّبات التنظيميَّة، ومن ذلك الحصول على موافقة العميل الصَّريحة والكتابيَّة قبل إقراض أوراقه، مع استمرار مراقبة الالتزام واتِّخاذ الإجراءات النظاميَّة عند المخالفة، كما أشار الخبر إلى أنَّ الهيئة تدرسُ ضوابط إضافيَّة تتعلَّق بالبيع على المكشوف، بما يحقِّق الاستفادة من أدوات السُّوق، ويحفظ سلامة التَّعاملات وحقوق المستثمرِين.
إنَّ السوق المالية القوية لا تُقاس بحركة المؤشر وحدها، بل بقدرتها على توفير معلومات موثوقة، وتطبيق قواعد عادلة، وإتاحة الفرص أمام مختلف فئات المستثمرين، وما نأمله أنْ تتواصل الإصلاحات بروحٍ متوازنةٍ تجمع بين حماية المستثمر، وتشجيع الشركات على الطَّرح والنموِّ، وتعزيز جاذبيَّة السوق محليًّا ودوليًّا.
فحماية المستثمر لا تعني ضمانه من تقلُّبات السُّوق الطبيعيَّة، وإنَّما تعني تمكينه من اتِّخاذ قراره على أساس معلوماتٍ واضحةٍ، وفي بيئةٍ رقابيَّةٍ تحفظ عدالة التَّعامل، وتكافؤ الفرص، وهذه دعائم أساسيَّة لبناء الثِّقة، وتعزيز الاستثمار طويل الأجل، في السوق الماليَّة السعوديَّة.
ويبقى السؤال: إذا كان إعلانُ الرئيس الجديد للهيئة بأنَّ خلال 90 يومًا ستتم إصلاحات هيئة سوق المال لإعادة الثقة في سوق الأسهم والهيئة، فلماذا لم تتخذ الهيئةُ هذه القرارات الإصلاحيَّة خلال عشر السنوات الماضية؟.