ليست عظمة الأوطان بما تملكه من أسباب القوَّة وحدها، بل بما تحمله من رسالة، وما تتَّخذه من مواقف، وما تقدِّمه من عطاء حين تتعاظم الأزمات وتتباين المصالح. والمملكة العربيَّة السعوديَّة، بما لها من مكانةٍ دينيَّةٍ، وثقلٍ عربيٍّ وإسلاميٍّ، ودورٍ إنسانيٍّ ممتدٍّ، ظلَّت تؤكِّد عبر تاريخها أنَّ أمنها واستقرارها ركيزةٌ لنهضتها، وأنَّ نصرة قضايا أمتها وخدمة المسلمين مسؤوليَّة لا تتخلَّى عنها؛ بتغيُّر الظروف، أو تبدُّل المواقف.
وقد واجهت المملكة، على امتداد تاريخها الحديث، تحدِّيات ومواقف عدائيَّة ومحاولات للنَّيل من أمنها، أو التأثير في استقرارها. ومن محطَّات الخلاف والصِّراع في المنطقة، إلى التهديدات التي تمثِّلها الميليشيات الحوثيَّة، وداعموها، أثبتت المملكة قدرتها على حماية مصالحها ومواصلة مسيرتها، مستندةً إلى تماسك جبهتها الداخليَّة، وحكمة قيادتها، وكفاءة مؤسساتها، ووعي شعبها.
ولعلَّ ما يبعث على الأسف، أنَّ بعض الأطراف التي اختلفت مع المملكة، أو اتَّخذت مواقف عدائيَّة تجاهها، لم تراعِ دائمًا ما جمعها بها من روابط الجوار، والعُروبة، والإسلام، ولا ما قدَّمته المملكة من دعم ومساندة. ومع ذلك، لم تجعل المملكة خلافات السِّياسة سببًا للتخلِّي عن واجبها الإنسانيِّ، ولا عن إسهاماتها في دعم الاستقرار، ومساندة الشُّعوب المتضرِّرة.
فقد امتد عطاؤها إلى دولٍ وشعوبٍ واجهت الحروب والكوارث والأزمات، من خلال المساعدات الإنسانيَّة والتنمويَّة والإغاثيَّة، والمساندة الصحيَّة والتعليميَّة، كما واصلت حضورها في الهيئات والمنظمات الدوليَّة، مدافعةً عن القضايا التي ترى فيها مصلحةً للأمتين العربيَّة والإسلاميَّة، وساعيةً إلى تخفيف المعاناة، وتعزيز فرص السَّلام والاستقرار. وهذا العطاء لا ينبغي أنْ تحجبه تقلُّبات المواقف، ولا أنْ يقلِّل من قيمته جحود بعض الأطراف، أو اختلافها السياسي.
وتظل خدمة الحرمين الشَّريفين في مكَّة المكرَّمة والمدينة المنوَّرة في قلب رسالة المملكة ومسؤوليَّاتها الكُبْرى، فالمملكة تحتضنُ قِبلةَ المُسلمِينَ، ومسجدَ نبيِّهم الكريم، وتبذل إمكانات واسعة لتيسير الحجِّ والعُمرة، ورعاية ضيوف الرَّحمن، وتطوير المشاعر المقدَّسة، والمحافظة على أمن الحجَّاج والمعتمرِين وراحتهم. وهي مسؤوليَّة عظيمة تستشعر المملكة شرفها، وتعمل على الارتقاء بخدماتها عامًا بعد عامٍ.
ومن هنا، يستحضر المسلمُون دعاءَ نبيِّ الله إبراهيم -عليه السَّلامُ-: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾، وهو دُعاء يحمل معنى الأمن والرِّزق والطمأنينة، ويذكِّر بقيمة النعمة التي تستوجب الشكر والعمل، وصون الاستقرار. والإيمان -بحفظ الله- لا ينفصل عن الأخذ بالأسباب، وتعزيز الوحدة الوطنيَّة، والقيام بالمسؤوليَّات، وحماية مقدَّرات الوطن.
إنَّ ثبات المملكة أمام التحديات، لا يعني غياب الصعوبات، بل يعني امتلاك الإرادة والقدرة على تجاوزها، ومواصلة البناء دون التفريط في الثوابت أو التخلي عن المصالح. كما أنَّ مواقفها تجاه قضايا الأمَّتين العربيَّة والإسلاميَّة تُقَاس بما تبذله من جهود وما تقدِّمه من دعم، لا بما تثيره الخلافات العابرة أو الحملات المغرضة.
وفي الختام، ستبقى المملكة -بإذن الله-، وطنًا راسخًا في مواقفهِ، عظيمًا برسالتهِ، ممتدًا بعطائهِ، يضع خدمة الحرمين الشَّريفين في مقدِّمة أولويَّاته، ويواصل دعم قضايا أمَّته ومساندة المحتاجِين وفق ما تمليه مسؤوليَّاته ومصالحه. وقد تتبدل التحالفات، وتتغيَّر المواقف، لكن الأوطان التي تستند إلى وحدة شعبها، وحكمة قيادتها، وثبات مؤسساتها قادرة على مواجهة العواصف، ومواصلة طريقها.
نسألُ اللهَ أنْ يحفظَ بلادَ الحَرمين، قيادةً وشعبًا، وأنْ يديمَ عليها الأمنَ والاستقرارَ، ويحميهَا من كلِّ سوءٍ ومكروهٍ، وأنْ يجعلهَا دائمًا دارَ خيرٍ وعطاءٍ للأمَّتين العربيَّة والإسلاميَّة.