في صالات المطارات، يحمل الناس حقائبهم وأحلامهم ومواعيدهم. هذا يعود إلى أسرته، وذاك يسافر للعلاج، وثالث يلحق بعمله أو دراسته. لا يشاركون في معركة، ولا يحملون سلاحًا. وحين تستهدفهم ميليشيا بالصواريخ، وتجعل خوفهم وسيلة للضغط، فإنها تكشف عن طبيعة إرهابية، مهما حاولت تغليف جرائمها بالشعارات والمبررات.
الاعتداء الحوثي على مطار الملك خالد الدولي بالرياض عمل إرهابي يستهدف حياة المدنيين وأمنهم، ويسعى إلى تعطيل حركة الحياة في المملكة. ووصف الميليشيا بالإرهاب هنا تؤكده ممارساتها؛ فاستهداف المسافرين والعاملين في المنشآت المدنية، وتهديد شركات الطيران، ومحاولة إخضاع مجتمع كامل بالخوف، أفعال تعبّر عن جوهر الإرهاب: استخدام العنف ضد الأبرياء لفرض إرادة سياسية.
ليست هذه المرة الأولى التي تواجه فيها السعودية من يتوهم أن ترويع الآمنين سيكسر إرادتها. فقد واجهت إرهاب القاعدة وداعش، وصمدت أمام جرائمهما ومحاولاتهما ضرب استقرارها وتمزيق مجتمعها. وبنت مواجهتها على كفاءة أجهزتها الأمنية، وتماسك جبهتها الداخلية، والتفاف المواطنين حول قيادتهم، وملاحقة الفكر المتطرف وشبكات التجنيد والتمويل. ولم تمنعها تلك المواجهة من مواصلة البناء والتطوير.
واليوم ستصمد السعودية أمام الإرهاب الحوثي كما صمدت أمام إرهاب القاعدة وداعش. تختلف أدوات الاعتداء وساحات انطلاقه، لكن الرهان الإرهابي واحد: إيقاع الخسائر، ونشر الخوف، وإضعاف الثقة، ثم انتظار التنازلات. وقد أخطأ أصحاب هذا الرهان من قبل، وسيخطئ الحوثي إذا ظن أن صاروخًا يستهدف مطارًا يستطيع أن يفرض على المملكة التخلي عن أمنها وسيادتها ومسؤوليتها تجاه مواطنيها والمقيمين على أرضها.
تحاول الميليشيا تحويل مشاهد الدمار إلى انتصارات إعلامية، وتسويق قدرتها على إيذاء المدنيين بوصفها دليل قوة. وفي سياق الضغط العسكري عليها، يمكن فهم هذا التصعيد باعتباره محاولة لنقل كلفة المواجهة إلى المجتمع السعودي، والتغطية على ما تواجهه في الميدان، وإرباك حسابات التحالف. لكن قتل مسافر أو إصابة عامل لا يغيّر حقيقة الجريمة، ولا يمنح مرتكبها شرفًا عسكريًا أو شرعية سياسية.
والأثر الذي تراهن عليه الميليشيا يتجاوز موقع الضربة. فهي تريد للمريض أن يخشى السفر، وللأسرة أن تقلق على أبنائها، وللعامل أن يتردد في الذهاب إلى عمله، وللمستثمر أن يعيد حساباته. ولذلك فإن إحباط غايتها يشمل حماية المنشآت واستعادة الخدمات ومواصلة الحياة، إلى جانب التصدي العسكري والأمني لمصادر التهديد. فكل مرفق يستعيد عمله بأمان، وكل مؤسسة تواصل أداء مسؤوليتها، يسهم في إفشال مشروع الابتزاز.
أما قانونيًا، فإن حماية المدنيين والأعيان المدنية أصل ثابت في القانون الدولي الإنساني. وتتمتع المطارات المدنية بهذه الحماية ما لم تتحقق الشروط القانونية المحددة لاعتبار منشأة بعينها هدفًا عسكريًا. ولا يمنح اتهام عام الحق في استهداف صالات المسافرين، كما لا يحوّل تهديد العاملين والمسافرين بالمغادرة الاعتداء إلى فعل مشروع. فالتحذير لا يبيح الجريمة، ولا ينقل مسؤوليتها من المعتدي إلى الضحية.
ومن حق السعودية، ومن واجبها، اتخاذ الإجراءات المشروعة والحازمة لحماية أراضيها وسكانها ومقدراتها. وهذا يستدعي تكامل الدفاعات، وتعزيز حماية المرافق الحيوية، وتعطيل القدرات العسكرية المستخدمة في الاعتداءات، وتجفيف مصادر إمدادها وتمويلها. وتُقاس فاعلية الرد بقدرته على تقليل الخطر ومنع تكراره، في إطار القانون، وبما يصون حياة المدنيين.
وفي هذه المواجهة، ينبغي أن يبقى التمييز واضحًا بين اليمن وشعبه وبين الميليشيا الحوثية. فاليمنيون يستحقون دولة تحميهم ومؤسسات تخدمهم ومستقبلًا لا تصادره جماعة مسلحة. ودعم استعادة الدولة اليمنية لقدرتها على بسط الأمن وسيادة القانون يخدم أمن البلدين، ويمنع استمرار تحويل الأراضي اليمنية إلى منصات لتهديد الجوار.
وعلى المجتمع الدولي أن يترجم إدانته إلى إجراءات تحدّ من قدرة الميليشيا على مواصلة الاعتداءات. فحماية الطيران المدني، ومكافحة تهريب الأسلحة ومكوناتها، وتعقب شبكات التمويل، ومحاسبة المسؤولين عن استهداف الأبرياء، مسؤوليات تتجاوز حدود السعودية. وأي تساهل مع استخدام المطارات والمسافرين أوراق ضغط يشجع جماعات أخرى على تكرار الأسلوب نفسه.
صمود السعودية لا يعني التقليل من ألم الضحايا أو حجم التحدي، بل يعني الوفاء لهم بحماية الناس، ومحاسبة المعتدين، ومنع الإرهاب من التحكم في مستقبل الوطن. وكما واجهت المملكة القاعدة وداعش بإرادة ثابتة ومجتمع متماسك، ستواجه الإرهاب الحوثي بالقوة والحكمة والثبات. ستبقى سلامة الإنسان أولويتها، وسيادتها قرارها، ومسيرة بنائها مستمرة مهما حاول الإرهابيون تعطيلها.
@kbatarfi