ليست الأمثالُ الشعبيَّةُ مجرَّد كلماتٍ عابرةٍ تُقال في مواقف الحياة اليوميَّة، بل هي خلاصةُ تجاربَ طويلةٍ عاشتها المجتمعاتُ، وحكمةٌ صاغها النَّاسُ بعباراتٍ قصيرةٍ بقيت حيّةً في الذاكرة جيلًا بعد جيل. والأمثال الحجازيَّة على وجه الخصوص تمتلك نكهةً خاصَّةً؛ لأنَّها وُلِدت في بيئةٍ غنيَّةٍ بالتنوُّع الثقافيِّ والإنسانيِّ، حيث ظل الحجاز -ولا سيَّما مكَّة المكرَّمة، والمدينة المنوَّرة، وجدَّة- ملتقًى للشعوب والثقافات، ومقصدًا للمسلمين من مختلف أنحاء العالم.
ومن هذا التنوُّع تشكَّلت مدرسةٌ شعبيَّةٌ فريدةٌ، اختزلت الحياة في جُملٍ موجزةٍ، تحمل الحكمة والطَّرافة والتجربة والوعي الاجتماعي. فالمثل الحجازي لا يكتفي بإيصال الفكرة، بل يرسم صورةًً للحياة القديمة، ويكشف طريقة التفكير، ويعكس قيم المجتمع وعاداته وعلاقاته الإنسانيَّة.
وكانت هذه الأمثال بالنسبة للأجيال السابقة بمنزلة «مدرسةٍ للحياة»، يتعلَّم منها الصغيرُ قبل الكبيرِ، وتُستخدم في التربية والتوجيه والإصلاح والنُّصح، حتى أصبحت جزءًا من الذاكرة الاجتماعيَّة لأهل الحجاز.
وقد عادت بي هذه الأمثالُ إلى سنوات الطفولة الأولى، حين كنا نعيشُ -أنا ووالدِي وأعمامِي وعمَّاتِي وجدَّاتِي- في منزلٍ بسيطٍ بحي المسفلة في مكَّة المكرَّمة، قريبًا من قهوة السقيفة. كان البيت صغيرًا بعدد غرفه، لكنَّه كبيرٌ بالمحبَّة والدفءِ والحكايات.
في تلك الأيام الجميلة كانت الأمثال والحِكم تتردَّد في أرجاء المنزل يوميًّا، خاصَّةً على لسان جدَّتي وعمَّتي -رحمهما الله- حتى أصبحت جزءًا من وعينا وطريقتنا في فهم النَّاس والحياة، ونحنُ ما زلنا في سنوات العمر الأولى.
وبعد انتقالنا إلى «دحلة الولاية» بحي المسفلة، اتَّسعت دائرة تلك المدرسة الشعبيَّة؛ فلم تعد الأمثالُ تقتصر على الأسرة، بل أصبحت تأتي أيضًا من الجيران والأقارب وأهل الحارة، وكأنَّ المجتمع كله يشارك في التربية وصناعة الوعي.
وكان الوالد -رحمَهُ اللهُ- إذا أراد النُّصح أو التَّحذير أو التَّشجيع، ختم حديثه دائمًا بمثلٍ حجازيٍّ يحمل المعنى العميق في كلماتٍ قليلةٍ.
ومن الأمثال التي لا تزال عالقةً في ذهني قوله عندما يرسلني إلى السوق: «ابدأ بالسُّوق متفرِّجًا»، أي تمهَّل وتعرَّف على الأسعار قبل الشراء، وهو درسٌ مبكِّرٌ في الحكمة، والتَّأني وحسن الاختيار.
وكنا نسمع أيضًا: «اللي ما يقْدِّر الكبيرَ يطيح في البيرِ»، وهو مثل يرسِّخ قيمة احترام كبار السن وتقديرهم.
ومن الأمثال المشهورة: «اللي يُدُق الباب يلاقي الجواب»، ويُضرَب لمن يبدأ بإيذاء النَّاس ثمَّ يتعجَّب من ردود أفعالهم.
ويُقال كذلك: «اقطع العرق وسيِّح دمه»، ويُقصد به الحزم في معالجة الأمور، وعدم ترك المشكلات معلَّقة.
ومن الأمثال الجميلة: «حاسب قبل ما تناسب»، وهو دعوة للتَّروِّي والتأمُّل قبل الإقدام على المصاهرة والعلاقات الأُسريَّة.
ومن الأمثال الطريفة: «خالف تُعرف»، ويُضرب لمن يحاول لفت الأنظار بمخالفة النَّاس دون هدفٍ حقيقيٍّ.
ويُقال أيضًا: «يا غافل لكَ الله»، في تنبيهٍ لمن لا يرى من الأمور إلَّا ظاهرها.
أمَّا المثلُ الذي بقي محفورًا في الذاكرة فهو: «افتكر أساه تنساه»، ويُضرب عندما تعود الذكريات القديمة بمجرَّد رُؤية شخصٍ أو موقفٍ ما.
وهكذا كانت الأمثال الشعبيَّة الحجازيَّة أكثر من مجرَّد كلمات تُقال؛ كانت مدرسةً للتربية، ووسيلةً لنقل القيم والخبرات، ومرآةً صادقةً للمجتمع، تحفظ ذاكرة المكان، وتربط الماضي بالحاضر بأسلوبٍ بسيطٍ وعميقٍ في آنٍ واحد.