مع الذكاء الاصطناعيِّ، لم تعدْ هناك حاجة إلى سنواتٍ من الدِّراسة والخبرة لإنتاج تقريرٍ احترافيٍّ، أو تحليلِ قضيَّةٍ معقَّدةٍ، أو تقديم توصيات تبدُو وكأنَّها صادرةٌ عن مستشارٍ أمضى عمرَه في تخصُّصه، ففي دقائق معدودة، يستطيع هذا الذكاء، أنْ ينجز ما كان يتطلَّب أيامًا، أو حتى أسابيعَ من البحث والتَّحليل.. وهنا يبرز سؤالٌ يستحقُّ التأمُّل: إذا أصبح الوصول إلى المعرفة متاحًا للجميع بهذه السهولة، فما الذي سيبقى للخبير، ولا يستطيع الآخرُون الحصول عليه؟.
في الماضي، كان امتلاك المعلومات ميزةً تنافسيَّةً، وكان الخبيرُ يتميَّز بقدرتهِ على الوصول إليها وتحليلها، وتقديم التوصيات. أمَّا اليوم، فأصبح جزءٌ كبيرٌ من هذه القدرات متاحًا عبر أدوات يستطيع استخدامها أشخاصٌ لا يمتلكُون بالضَّرورة الخلفيَّة العلميَّة أو المهنيَّة ذاتها. ولذلك، لم يعد كافيًا أنْ يقدِّم الخبيرُ تقريرًا جيدَ الصياغةِ، أو يعيد إنتاج معلومات متاحة للجميع.
لكن الاعتقاد بأنَّ الذكاء الاصطناعي سيجعلُنا نستغنِي عن الخبراء، اعتقادٌ متسرِّعٌ. فالحصول على إجابةٍ لا يعني بالضَّرورة معرفة مدى صحَّتها، وتحليل المعلومات لا يعني دائمًا فهم المشكلة الحقيقيَّة، كما أنَّ تقديم حلِّ يبدُو منطقيًّا وجذَّابًا لا يضمنُ نجاحه عند تطبيقه على أرض الواقع. وهنا تحديدًا تكمنُ قيمة الخبرة.. في القدرة على التَّمييز بين ما يبدو صحيحًا وما هو صحيح فعلًا، وبين ما يصلح نظريًّا، وما يمكن أنْ ينجح عمليًّا.
وتظهر إحدى المفارقات في بيئات العمل لدى بعض الموظَّفين، الذين يعتقدُون أنَّ قدرتهم على استخدام الذكاء الاصطناعيِّ تتيح لهم إنجاز كلِّ شيءٍ دون الحاجة إلى زملائهم الأكثر خبرة. ولا جدال بأنَّ هذه الأدوات تمنحهم قدراتٍ استثنائيَّةً تستحقُّ التَّقدير، لكن إنتاج إجابة لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على تقييمها، كما أنَّ سرعة الإنجاز لا تضمن جودة النتائج.
فالخبيرُ لا يقدِّم معلومات فحسب، بل يحمل حصيلة تجارب، ودروسًا من قرارات نجحت، وأُخْرى أخفقت، وفهمًا للسياقات والعلاقات والمخاطر التي قد لا تظهر في تقريرٍ متقنِ الصياغة، أو عرض بوربوينت مبهر.
ومن هنا، فإنَّ نصيحتي ألَّا يتم النَّظر إلى الذكاء الاصطناعيِّ باعتبارهِ بديلًا عن التعلُّم من أصحاب الخبرة، بل فرصة للاستفادة منهم بصورةِ أعمقَ وأسرعَ. والسُّؤال الأجدى بدلًا من كيف نستغنِي عن الخبير، هو كيف نجمعُ بين خبرتهِ وقدرات الذكاء الاصطناعيِّ لتحقيق نتائج أفضل؟.
وفي المقابل، على أصحابِ الخبرة ألَّا يتعاملُوا مع التقنيات الجديدة، بوصفها تهديدًا لمكانتهم، بل فرصة لتطوير أدواتهم، ونقل معرفتهم إلى الجيل الجديد. فالمؤسَّسات لا تتقدَّم بانتصار جيل على آخر، وإنما بتكامل حيويَّة الشَّباب مع نُضج وحكمة الخبرة.
وينطبق ذلك على الاستشارات والدبلوماسيَّة العامَّة والإعلام، وغيرها من المجالات. حيث يستطيع الذكاء الاصطناعي تحليل الخطاب الإعلاميِّ، ورصد اتجاهات الرأي العام، وقياس التفاعل. لكن ارتفاع التفاعل لا يعني بالضَّرورة تحقق التأثير، وكثرة البيانات لا تكفي وحدها للحُكم على نجاح سياسة أو مبادرة أو مشروع. وتظل هناك -دومًا- حاجة إلى الخبرة التي تميِّز بين المؤشِّرات والنتائج، وتربط التَّحليل بالواقع، وتختبر مدى صحَّة الاستنتاجات، وتمتلك الحسَّ بردود الفعل غير المتوقَّعة وكيفيَّة التعامل معها.
ومع ذلك، لا تمنح سنواتُ العمل أصحابَ الخبرة حصانةً دائمةً، فالخبرةُ التي لا تتجدَّد قد تتحوَّل إلى عبءٍ، والتمسُّك بالأساليب القديمة قد يجعل صاحبها أقل قدرةً على المنافسة. كما أنَّ الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعيِّ قد يحرم الجيل الجديد من الممارسة والاحتكاك، والأخطاء والتجارب التي تُبنى عليها الخبرة الحقيقية التي ستكون عونًا لهم في المستقبل.
إنَّ التحدِّي ليس حماية الخبرة من الذكاء الاصطناعيِّ، ولا استبداله بالخبراء، بل إعادة تعريف العلاقة بينهما. فكلَّما أصبحت المعرفة متاحةً أكثر، ازدادت أهميَّة القدرة على التحقُّق منها، وحُسن استخدامها، وتحمُّل مسؤوليَّة القرارات المبنية عليها.
الخلاصة، لا أعتقدُ أنَّ الذكاء الاصطناعي سيُلغي الحاجة إلى الخبراء، لكنَّه سيجعلنا أكثر قدرةً على التَّمييز بين من تنحصر خبرته في عددٍ طويلٍ من السنوات في المهنة، ومَن حوَّل تلك السنوات إلى خبرةٍ حقيقيَّةٍ متطوِّرةٍ ومتميِّزةٍ، تصنع الفارق في مجاله.