جاءت فكرة تعليق الدراسة بوصفها إجراءً وقائيًّا استباقيًّا، يهدف إلى حماية الطلاب من مخاطر الأمطار والسيول التي تأتي أحيانًا بكميات غزيرة، وقد تشكل خطرًا على الطلاب.
في بدايات قرار تعليق الدراسة، لم تكن قد وُلدت فكرة (الدراسة عن بُعد) عبر تطبيق (منصتي) الإلكترونية التي حلَّت (جزئيًّا) محل الدراسة الحضورية في أوقات الحاجة والضرورة القصوى، كالذي حصل في جائحة كورونا. ومع وجاهة الفكرة ونجاح الوسيلة -جزئيًّا- إلا أن الملاحظ أن منحنى (تعليق الدراسة) بسبب (الأمطار) آخذ في التصاعد بشكل يدعونا للوقوف عنده ومراجعته بكل تجرُّد ومسؤولية.
في البدء اتفقنا على وجاهة الفكرة، ولكن هل يمكن وصف كل هذا الكم من التعليق بالضرورة؟ التعليق ربما يكون ضرورة وذلك عندما تكون الطرق الموصلة للمدارس ترابية ووعرة، في حين يشي الواقع بأنها مسفلتة ومريحة، وعندما تكون وسائل النقل معدومة مما يضطر الطلاب لركوب الدواب أو المشي، في حين يشي الواقع بأن وسائل النقل -العامة والخاصة- حديثة وآمنة، وعندما تكون وسائل التواصل معدومة، في حين يشي الواقع بأن وسائل التواصل (شبكة الجوال) متوفرة في الصحاري وبطون الأودية وقمم الجبال، وعندما تكون مباني المدارس بدائية ومتهالكة، في حين يشي الواقع بأن المباني المدرسية مسلحة وذات جودة عالية وتنعم بالكهرباء والماء ووسائل السلامة، وعندما تكون المسافات الموصلة للمدارس بعيدة، في حين يشي الواقع بأنها قصيرة. وبالتالي فكل مبررات التعليق لا تصمد أمام الواقع الرائع الذي أوجدتْه حكومتنا -أيدها الله- ووفَّرته لأبنائها الطلاب، وبالتالي (فالتحجُّج بالأمطار وتهويل خطرها) يشي بأن بنيتنا التحتية ومرافقنا وإمكاناتنا كلها ضعيفة ومتهالكة ولا تقوى على الوفاء بأغراضها، والواقع خلاف ذلك.
يُضاف إلى ذلك أن الأمطار لدينا في السعودية عادة ما تنشأ سُحبُها بعد الظهيرة وتسقط هي بعد ذلك، ما يعني أن اليوم الدراسي ربما ينتهي قبل تكوُّن السحب فضلًا عن هطول الأمطار، ولو افترضنا أن الأمطار بَكَّرت في الهطول فالمدارس آمنة وبقاء الطلاب فيها لا يضيرهم شيئًا، بل بإمكان المدرسة أن تُنهي يومها الدراسي باكرًا إذا شعرت ببوادر المطر.
والحق أن ابتعاد الطلاب عن المدارس آخذ في الازدياد، سواءً على مستوى الإجازات الحادثة أثناء العام الدراسي أو على مستوى تعليق الدراسة؛ فهناك إجازات الأعياد الدينية وإجازات المناسبات الوطنية والإجازات القصيرة والمطوّلة، وما يسبقها وما يلحق بها من غيابات يتعمَّدها الطلاب، وهناك تعليق الدراسة الذي يُشابه الإجازات حتى وإن كان عبر المنصة التي يكثر من خلالها غياب الطلاب، وليست بجودة الدراسة الحضورية مطلقًا، وهو ما يقتضي وقفة صادقة خالصة مع هذا الوضع.
وهنا أتساءل: أين هم التربويون الذين كان (يلازمهم القلق) من إجازتَي عيدَي الفطر والأضحى؛ حيث كانوا يرون أن هاتين الإجازتَين تمثلان (هدرًا تعليميًّا وتربويًّا) ينبغي إيقافه فورًا.