تقول الحكايةُ المعبِّرة: قام أحدُ المسؤولِين بزيارة لإحدى القُرى، وسأل أهلَها: ما هي مشكلاتكم؟!، قالوا: إنَّنا -يا سيِّدي- نعاني من مشكلتَين رئيستَين، الأُولى: لدينا مركزٌ صحيٌّ ولكنْ ليسَ لدينا طبيبٌ! فقال لهم: أبشرُوا حاضر، وأخرجَ هاتفَه من جيبِه، واتَّصل وقال: غدًا ترسلُون طبيبًا للقرية، وقفل الخط، ورجَّع الهاتفُ لجيبه، ثمَّ قال: ما هي المشكلةُ الثانية؟!، قالوا: الثانية -يا طويل العمر-: لا توجد تغطية لشبكة الجوَّال في القرية!!
أغلبُ الأحلام المشروعة، التي لم تتحقق للإنسان في حياته، لم تكن عائدةً، إلى عدم وجود أوقاتٍ كافيةٍ، أو عدم توافر الشَّواغر والشُّروط اللازمة، أو عدم امتلاك المُنتج المميَّز، والقدرة التسويقيَّة، بل لأنَّ كل الاتِّصالات والوعود الظَّاهرة بمساعدته، أُجريت ببيئة متملِّقة ومتنفِّعة «لا توجد بها تغطية للشبكة»!!
حين يطلبُ الإنسانُ من معارفه وأحبَّته، تنظيم لقاءات دوريَّة أو فصليَّة، للاطمئنان على الأحوال والظروف المعيشيَّة، وقضاء أجمل الأوقات السَّعيدة، فإنَّه لن يسمع منهم غير عبارات التَّرحيب بهذه الفكرة الجهنميَّة، بل إنَّ بعضَهم قد يتظاهر أمامه بأنَّه يتَّصل بفلان وعلان؛ لينضَّمُوا لهذه البادرة الطيِّبة، قبل أنْ يخلفَ كلَّ وعوده، متعذِّرًا بانشغاله، وعدم وجود أوقات كافية؛ ليكتشف ذلك الإنسان -متأخِّرًا- أنَّ العلَّة في الأساس: لا توجد تغطية للشبكة!!
حين يطلبُ الإنسانُ من رئيسه بالعمل، تحسين وضعه، ومنحه العلاوة، والترقية المنتظرة، حتَّى يستطيع مواجهة ظروفه القاهرة، فإنَّه لن يسمعَ منه غير عبارات الثَّناء والتَّأكيد على أحقيَّته، بل إنَّه غالبًا ما يتظاهر أمامه بالاتِّصال بمن جمَّد معاملته؛ لحثِّه على تسريع إصدار قراره، قبل أنْ يخلفَ كلَّ وعوده، متعذِّرًا بعدم توافر الشَّواغر، والشروط اللازمة؛ ليكتشف ذلك الإنسانُ -متأخِّرًا- أنَّ العلَّة في الأساس: لا توجد تغطية للشبكة!!
حين يطلبُ الإنسانُ من مدير الجهة الرقابيَّة، دعم مشروعه الجديد، سواء كان محلًّا، أو فود ترك، أو بسطةً، حتَّى يقف على رجله، ويغطِّي رأسماله، فإنَّه لن يسمعَ منه غير عبارات الدَّعم للسَّواعد الوطنيَّة، بل إنَّه قد يتظاهر بالاتِّصال بالرقابة الميدانيَّة؛ لتخفيف تصيُّد المخالفات، والغرامات الماليَّة، قبل أنْ يخلفَ كلَّ وعودهِ، متعذِّرًا بغياب المُنتج المميَّز، والقدرة التسويقيَّة؛ ليكتشف ذلك الإنسانُ -متأخِّرًا- أنَّ العلَّة في الأساس: لا توجد تغطية للشبكة!!
وعودة للحكاية السَّاخرة، فغالبًا استطاع ذلك المسؤولُ الذي زار القرية، أنْ يقنعَ أهلها بأنَّ الشبكة فتحت معه لثوانٍ معدودةٍ، وقام بإجراءِ المكالمةِ، وغالبًا ما اضطر أهل القرية للإذعان له وتصديقه -مع يقينهم أنَّ كلَّ وعودهِ كاذبةٌ- وأنَّ كلَّ الأحلام المشروعة، التي لم تتحقَّق للإنسان في حياته، كان لها أنْ ترى النور لو كان المعنيُّ صادقًا بنواياه المخلصة، وكانت اتِّصالاته لقلوب النَّاس جاريةً، حتى وإنْ كان: لا توجد تغطية للشبكة!!