من خلال التتبُّع التحليليِّ التاريخيِّ والسياسيِّ والاجتماعيِّ والعقديِّ للأمَّة الإسلاميَّة، بعد البعثة النبويَّة، التي نستثنيها تمامًا من هذا الحُكم؛ كونها قامت على تعاليم كتابِ الله الكريم، الذي استطاع أنْ يُخرِجَهُم مِن الظُّلمَاتِ إلَى النُّورِ، وأنْ يجعلَ لهُم كيانًا واحدًا مترابطًا متكاتفًا متعاضدًا، وحتى نكون منصفين أكثر، فلنقل إنَّها الشريحةُ الكُبرى من سكَّان العالم الإسلاميِّ، ومن خلال هذا التتبُّع نستطيعُ أنْ نستخلصَ أبرزَ الأسبابِ التي جعلت هذا الأمَّة أنْ تحتلَّ ذيلَ العالم في التقدُّم الحضاريِّ والثقافيِّ والاجتماعيِّ، وسوف نُبرز تتبُّع وتحليل كلِّ عنصرٍ من تلك العناصر، وتحليل مسيرته حتَّى يكون الحُكم والتحليلُ أكثرَ دقَّةً عن تلك الأسباب:
- بالنسبة للجانب التاريخيِّ، نعلمُ أنَّه قام على الحشوِ والتَّضخيمِ التاريخيِّ لمكوِّنات هذا التاريخ، وما تخلَّله من الأكاذيبِ في سرد بعض الأحداث، حيث نرى أنَّ كلَّ دولةٍ من دولهِ التي تضخَّم عددُها أيضًا حتَّى أصبح لكلِّ طائفة منهم دولة، ثمَّ نرى كلَّ دولة تسعَى في تدوين مكوِّناتها، وعن حكَّامِها، وغالبًا ما يكون ذلك بتوجيهٍ من أولئك الحكَّام، ونتيجة للصِّراعات المُستدامة بين تلك الدُّول، فقد تضاعف تضخيم أحداث كلِّ دولة، ولم يقتصر الحال على ذلك، بل كانت كلُّ دولة تحاول أنْ تنسفَ معالمَ من قبلها، وتبدأ من الصِّفر؛ لتبني لنفسها ولحكَّامها مجدًا وهميًّا، وهكذا أختلطَ الحابلُ بالنابلِ في التاريخِ الجمعيِّ للجميع.
- أمَّا الجانبُ السياسيُّ فلم يكن بعيدًا عن الجانب التاريخيِّ؛ لحجم الارتباط بين العُنصرين، لكنَّ الجانب الأبرز في هذا العنصر، أنَّ التَّضخيم وما تخلَّله من الأكاذيب قد حظي بمئات الكُتب عن كلِّ حكَّام دولة من تلك الدول، حتَّى تحوَّلُوا إلى نبارس لغيرهم من حكَّام المستقبل، حذُوا حذوَهم، وتقمَّصُوا شخوصَهُم بعد أنْ ارتفعت منزلةُ البعضِ منهم الى منزلةِ التَّقديس، حيث بُنيت لهم التَّماثيل الحجريَّة، والنحاسيَّة في مختلف الميادين، وفي مقابل ذلك انشغال المؤرِّخين بسيرِ أولئك الشُّخوص، الذي أنساهم ذكرَ منجزاتِهم الحضاريَّة القليلة جدًّا.
- أمَّا الجانبُ الاجتماعيُّ فحتمًا سيكون واقعة محصلة للعنصرَين السَّابقَين، حيث انشغلت الشريحةُ العُظمى من أولئك الشُّعوب بالسَّعي لطلب الغذاء، والدواء، والكساء، فانتشرت ظلاميَّة الجهلِ والجوعِ والفقرِ، وبالرغم من بعض حالات النُّهوض التي كانت في بعض تلك الدُّول، إلَّا أنَّها لا تلبثُ أنْ تخمدَ إمَّا بفعل فاعلٍ أو نتيجة للصِّراع على السُّلطة، فتكون النتيجة ذوبان تلك النَّهضة الحضاريَّة، ولعلَّنا نستشفُّ ذلك من محدوديَّة تلك المُنجزاتِ الحضاريَّة والثقافيَّة لو استثنينا منها النَّهضة الشِّعريَّة التي تميَّزُوا بها، والتي أصبحت سِمةً بارزةً لهذا العالم، والتي مثَّلها أحدُ المفكِّرِين وهو عبدالله القصيمي بالقولِ: إنَّ العربَ ظاهرةٌ صوتيَّةٌ.
- أمَّا بالنسبة للحالة الاجتماعيَّة، فقد كانت محصلة لما سبق ذكره، حيث انتشر الجهل والفقر والصراعات الممتدة بين الدولة والأخرى، والمذهب والمذهب الآخر، والمدينة والمدينة الأخرى، وحتى بين القرية والقرية، فكيف بمجتمع ينهض ويتقدم في ظل تلك البيئة الطاردة؟
أمَّا مؤسسات التعليم، التي يُفترض أنْ تسهم في نهضة تلك الدُّول، فقد كانت ضامرةً تقومُ على الحفظ والتَّلقين في كلِّ شيءٍ؛ ممَّا نتج عنه مجتمعات ضامرة في التفكُّر والتدبُّر والإنتاج والإبداع.
- أمَّا الجانبُ العقديُّ، فقد كان العبث به أكثرَ وأكثرَ بالرغم من كونهِ العنصر الأهم في هذه المنظومة، كونه يُعدُّ السَّببَ الحقيقيَّ في تجميعِ شتاتِهم، وتقويةِ شوكتِهم، وتحسينِ فكرِهم الذي أرسل من ربِّهم إليهم كتابًا عظيمًا تضمَّن كلَّ عوامل الإصلاح الفكريِّ والجسديِّ والعقليِّ، حيث كان ذلك عن طريقِ رسولٍ مصطفى منهم، وجاء بلغتِهم؛ كي يكونَ التأثيرُ فيهم أعظمَ، إلَّا أنَّ ذلك حدث فقط في مرحلة الرسالةِ المحمديَّة، أمَّا بعدها، وقبل أنْ يُدفن هذا الرَّسولُ الكريمُ -عليهِ أُصلِّي وأُسلِّم- حدث اجتماع في سقيفةِ بني ساعدة، عندما تشاور المهاجرُونَ والأنصارُ علَى مَن يتولَّى الخِلافةَ بعدهُ، وتناسوا أنَّ هذَا رسولٌ من اللهِ يتلقَّى أوامرَهُ من ربِّ العالمِين، وكانت سلطته ممنوحةً من ربِّ العالمين، ثمَّ تنامت تلك الصِّراعات الأُخْرى كحربِ المرتِّدِين، وحروب: الجمل، وصفين، والنهروان، ثمَّ أحداث كربلاء، وما تلاها من صراعات؛ لطلب الحُكم بين الأمويِّين والعباسيِّين.