لم تكن مَشَاهد الاعتداءات الحوثيَّة، التي تعرَّضت لها الرِّياض، ومُدن أُخرى من المملكة، خلال الأيام الماضية، مجرَّد أخبارٍ عن صواريخ، ومطارات، تعرَّضت للاستهداف، فقد كان وراء كلِّ مَشهد منها إنسانٌ خرج من منزله آمنًا، وأسرةٌ تنتظرُ عودة أحد أفرادها، ومسافرٌ يحمل معه أحلامًا صغيرة أو كبيرة، قبل أنْ يجد الجميعُ أنفسهم أمام مأساةٍ لم يختاروها، ولا علاقة لهم بأسبابها.
وما أقسى أنْ تتحوَّل رحلة لأداء العُمرة إلى تجربة يختلطُ فيها الخوفُ بالألم، أو أنْ تنتهي ساعات عمل موظَّفة في خدمة المسافرين بخبر وفاةٍ، أو إصابة، فهؤلاء لم يكونوا جزءًا من «صراعٍ سياسيٍّ»، ولم يحملوا سلاحًا، ولم يقرِّروا مصير دولة أو جماعة، كانوا يمارسُون حياتهم الطبيعيَّة، وهي الحياة التي يُفترض أنْ تصونها القوانينُ، ويحميها المجتمع الدولي.
ولستُ أجدُ في هذه المَشَاهد ما يدعُونا إلى الاكتفاء بالتَّعبير عن الحُزن، على فداحة ما تتركه في النُّفوس، فالقضيَّة -في تقديري- تستحقُّ قراءة تتجاوز النتائج المباشرة للاعتداءات، إلى طبيعة المشروع الذي يقف وراءها، وما يقدِّمه للمنطقة من حصيلة سياسيَّة وإنسانيَّة بعد سنوات طويلة من الصِّراع.
والسُّؤالُ هنا لا يتعلَّق بما يستطيع «الحوثي» تدميره، فقد رأى النَّاسُ جانبًا من ذلك، وإنَّما بما يستطيع أنْ يبنيه، فما الذي قدَّمه لليمنيِّين من استقرار؟ وما الذي أضافه إلى أمن المنطقة؟ وأيُّ مستقبل يمكن أنْ يعدَ به الأجيال التي دفعت من أعمارها، وموارد بلادها أثمانًا باهظةً للحروب؟
إنَّ الجماعات المسلَّحة التي تجعل من التهديد وسيلةً دائمةً لحضورها السياسيِّ تضعُ نفسها أمام امتحانٍ لا تحسمه الشِّعارات فالقيمة الحقيقيَّة لأيِّ مشروع سياسيِّ تُقاس بما يحقِّقه للإنسان من أمنٍ وكرامةٍ وفرصٍ للحياة، لا بما يملكه من قدرةٍ على تعطيل حياة الآخرين.
وما يستحق الوقوف عنده، أنَّ هذه الاعتداءات لا تتوقَّف آثارها عند حدود المملكة. فالمطاراتُ التي تعرَّضت للاستهداف تستقبل مسافرين من دول متعدِّدة، وترتبط بحركة اقتصاديَّة وتجاريَّة وإنسانيَّة واسعة، وهناك رحلات علاج، وأعمال، وزيارات أسريَّة، ورحلات دينيَّة، قد تتعطَّل، أو تتأثَّر؛ بسبب تهديد لا يميِّز بين جنسيَّة وأُخرى، ولا بين إنسانٍ جاء للعمل، وآخرَ جاء للعبادةِ.
والمملكة بما تمثِّله من ثقلٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ ودينيٍّ، ترتبط مصالحها بمصالح العالم على نحو يجعل استقرارها قضيَّة تتجاوز حدودها الجغرافيَّة، فهي تستقبل ملايين الزوَّار، والمعتمرِين، والحجَّاج، وتحتضنُ استثمارات ومشروعات وشراكات دوليَّة، وتؤدِّي دورًا مؤثِّرًا في الاقتصاد العالميِّ، ومن هنا فإنَّ أيَّ تهديد لمرافقها الحيويَّة يحمل تداعيات تمتدُّ إلى أطرافٍ عديدةٍ.
ولا يمكن فصل هذه الاعتداءات عن سؤال التنمية، الذي يشغل المنطقة بأسرها، فهناك دول تستثمر مواردها في بناء المدن، والمطارات، والمستشفيات، والجامعات، وتسعى إلى توفير فرص العمل، وتحسين حياة مواطنيها، وفي المقابل تستنزفُ الصِّراعاتُ المسلَّحةُ مواردَ شعوب تحتاج إلى كلِّ ما تملكه من إمكانات. وهذه المفارقة تستحقُّ أنْ تكون حاضرةً في حسابات المجتمع الدوليِّ.
أمَّا اليمن، فإنَّ شعبه يستحق -قبل غيره- أنْ يسأل عن حصيلة السنوات التي عاشها تحت وطأة الصِّراع؟ فالأطفال الذين حُرموا من انتظام التعليم، والأُسر التي واجهت النُّزوح والفقر، والشَّباب الذين ضاقت أمامهم فرص العمل، جميعهم يدفعُون كلفة لا تختصرها البيانات السياسيَّة. ولا يمكن لأيِّ مشروع أنْ يطالب النَّاس بالثقة في مستقبله، دون أنْ يقدِّم لهم ما يثبت قدرته على حماية حاضرهم.
وأجدُ أنَّ مسؤوليَّة الدول والمؤسَّسات الدوليَّة تتجاوز إصدار بيانات الإدانة، بعد كل اعتداء، فالمسألة تحتاج إلى معالجة مصادر التهديد، والتحقُّق من شبكات التمويل والتسليح والدعم، ومحاسبة مَن تثبت مسؤوليَّته عن تمكين الاعتداءات على المدنيِّين، أمَّا الاكتفاء بالتعامل مع النتائج، فإنَّه يترك أسباب الخطر قائمةً، ويجعل احتمال تكراره مصدرَ قلقٍ دائمٍ.
وأخيرًا.. فإنَّ التاريخ لا يحتفظ للجماعات والدول بعدد ما أطلقته من صواريخ، وإنَّما بما تركته في حياة الناس من بناء أو خراب. وما نشهده من اعتداءات يضع المشروع الحوثي أمام سؤالٍ عن نتائجه الإنسانيَّة والسياسيَّة، وعن الثمن الذي تدفعه شعوبُ المنطقة من أمنها، ومواردها، ومستقبل أجيالها.
* نقطة تحت السطر:
قد تتوقَّفُ حركةُ مطارٍ لساعاتٍ، وتعودُ الرِّحلاتُ إلى مواعيدِهَا، وتُصلِحُ المنشآتُ ما أصابَهَا من أضرارٍ، لكنَّ الأُسرةَ التي فقدتْ عزيزًا لا تستعيدُه، والإنسان الذي تغيَّرت حياتُه؛ بسببِ إصابةٍ لا تعيدُه البياناتُ إلى ما كان عليهِ، وتلك هي الكلفةُ التي ينبغِي أنْ يراهَا العالمُ وراءَ كلِّ اعتداءٍ.